الرأي والتحليل

عندما يصبح الهروب من الوطن انتصارا وفرحة

 

عندما يغادر شاب مغربي وطنه على متن قارب مطاطي، ويعتبر وصوله إلى الضفة الأخرى “انتصاراً”، فإن هذه الصورة ليست مجرد مشهد عابر، بل هي مفارقة تهزّ الوجدان وتفضح خللاً عميقاً في منظومتنا المجتمعية. إن تحول الهروب إلى فرحة، والموت المجهول إلى أمل، يكشف عن تناقض صارخ: كيف يمكن لوطن غني بموارده وتراثه أن يتحول في عيون أبنائه إلى سجن يفرّون منه؟ هذه الصورة ستظل شاهدة على واقع مؤلم، وستطرح سؤالاً مصيرياً: لماذا أصبح الشباب المغربي يرى في المخاطرة بحياته بديلاً أفضل من البقاء بين أهله وأرضه؟

ان الهجرة غير النظامية ليست نزوة عابرة، ولا قراراً يتخذه الشاب باستخفاف، بل هي نتيجة حتمية لتراكم الإحباطات وخيانة الثقة. حين يمضي الشاب سنوات في الدراسة ليحصل على شهادات عليا، ثم يفاجأ بأن سوق العمل لا يرحب به، وأن الكفاءة ليست معياراً للنجاح بقدر ما هي علاقات ومحسوبيات، فإنه يبدأ في التساؤل: “هل خطئي أنني اجتهدت؟”. الأفق المسدود، والشعور بأن الفرص حكر على فئة دون أخرى، هما وقود الهجرة. إن القول بأن بعض الشباب “يتسرع” هو تبسيط مخل لمشكلة جذورها ممتدة في غياب العدالة الاجتماعية وتوزيع الثروات والفرص بشكل عادل.

لا يمكن تحميل طرف واحد مسؤولية هذه النزيف البشري، فالمسؤولية تقع على كل من قصّر في أداء واجبه. الدولة ومؤسساتها، الأحزاب السياسية، النقابات، الإعلام، وحتى الأسرة والمجتمع المدني، جميعهم شركاء في هذه الأزمة. المغرب لا ينقصه الإمكانيات، فهو بلد يمتلك موقعاً استراتيجياً، وثروات طبيعية وبشرية هائلة، لكنه بحاجة ماسة إلى مسؤولين أكفاء نزهاء، يخافون الله فيمن تحت أيديهم، ويجعلون مصلحة الوطن والمواطن فوق كل اعتبار. الإصلاح لا يبدأ من القمة فقط، بل يحتاج إلى مراجعة شاملة لسياسات التعليم والتشغيل والحوكمة، وإلى كسر جدار الصمت أمام الفساد والمحسوبية.

ما يزيد الطين بلة هو غياب النموذج الملهم داخل الوطن. حين يرى الشاب أن بعض المسؤولين يتنقلون بين مناصبهم وكأنها غنائم، ولا يقدمون حلولاً ملموسة لمشاكله اليومية، فإنه يفقد الثقة في كل الخطابات التي تدعوه إلى الصبر والانتماء. الثقة ليست سلعة توزع مجاناً، بل تُبنى بالأفعال، وبالمصداقية، وبالشفافية. لقد آن الأوان أن نستمع بجدية إلى صوت الشباب، وأن نفتح لهم مجال المشاركة الحقيقية في صنع القرار، بدلاً من اعتبارهم مجرد أرقام في إحصاءات البطالة، أو أدوات في خطابات سياسية موسمية.

رغم كل هذا الألم، يبقى الأمل هو السلاح الوحيد الذي لا يمكن لأحد أن يسلبنا إياه. وطني المغرب ليس مجرد تراب وجغرافيا، بل هو هويتنا وتاريخنا ومستقبلنا. ندائي اليوم ليس يائساً، بل هو دعوة إلى مراجعة جريئة وصادقة، وإلى إصلاح حقيقي يبدأ بالاعتراف بالخطأ وينتهي بوضع آليات فعالة لمحاسبة المقصرين. نحن بحاجة إلى مشروع وطني تنموي جديد، يضع الإنسان في صلب أولوياته، ويكافئ الكفاءة والنزاهة، ويوفر للشباب أسباب البقاء لا أسباب الرحيل. فمتى أيقنا أن وطننا يستحق التضحية من أجل إصلاحه، وليس الهروب منه، سنكون قد انتصرنا على ثقافة اليأس، وأعدنا للهجرة معناها الطبيعي كخيار، لا كحتمية مؤلمة.

اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع الدائرة نيوز _ Dairanews لمعرفة جديد الاخبار