الرأي والتحليل

محمود عرشان وشهادات سنوات الرصاص.. تصريحات أحمد البخاري تعيد الجدل حول الذاكرة الحقوقية إلى الواجهة

بين تصريحات منسوبة إلى العميل السابق لجهاز «كاب 1» أحمد البخاري، وردود محمود عرشان بشأن مساره الشخصي والسياسي، يعود النقاش حول المسؤولية عن انتهاكات الماضي وحق الضحايا في الحقيقة والإنصاف.

أعاد الظهور الأخير لمحمود عرشان داخل المؤسسة التشريعية المغربية الجدل حول الذاكرة السياسية والحقوقية المرتبطة بمرحلة سنوات الرصاص، خصوصاً في ظل تداول شهادات واتهامات تتعلق بأدوار بعض الأشخاص خلال تلك الفترة.

وفي هذا السياق، تبرز تصريحات منسوبة إلى أحمد البخاري، العميل السابق لجهاز «كاب 1»، والتي يُقال إنه تحدث فيها عن أدوار عدد من الأشخاص في التعامل مع المعتقلين السياسيين، ومن بينهم محمود عرشان، وفق ما ورد في الروايات المتداولة عن تلك المرحلة.

ماذا نُسب إلى أحمد البخاري؟

بحسب ما ورد في تصريحات منسوبة إلى أحمد البخاري، فإن محمود عرشان كان مكلفاً، وفق روايته، بما عُرف باسم «القرعة»، وهي أداة ارتبط ذكرها في بعض الشهادات المتداولة بادعاءات التعذيب والإهانة الجسدية التي تعرض لها معتقلون سياسيون.

وتربط الرواية المنسوبة إلى البخاري هذه الممارسات بالمعتقل السياسي إبراهيم السرفاتي وآخرين، في سياق الحديث عن أساليب التعذيب التي قيل إنها استُخدمت خلال تلك المرحلة.

ومن المهم التأكيد أن هذه المعطيات تُعرض هنا باعتبارها ادعاءات منسوبة إلى أحمد البخاري، وليست حكماً قضائياً أو إثباتاً مستقلاً لمسؤولية محمود عرشان. كما أن النشر الصحفي الدقيق يقتضي الرجوع إلى التسجيل الأصلي أو النص الموثق للتصريح، وتحديد تاريخ صدوره وسياقه، قبل اعتماد عباراته بصيغة الاقتباس المباشر.

محمود عرشان بين نفي الاتهامات واستحضار المسار الشخصي

في المقابل، أثارت تصريحات محمود عرشان ومواقفه المعلنة بشأن مساره الشخصي والسياسي نقاشاً حول العلاقة بين الاعتزاز بالأصول العائلية وتاريخ المقاومة، من جهة، والاتهامات المرتبطة بانتهاكات حقوق الإنسان، من جهة أخرى.

وقد نُسب إليه، في سياق الجدل الدائر، تأكيد انتمائه إلى جمعية الأدارسة، والإشارة إلى حصوله على بطاقة مقاوم، إلى جانب تصريحات ومواقف تتعلق بحضوره السياسي والإعلامي.

كما أثار ظهوره داخل مجلس المستشارين تساؤلات لدى منتقديه بشأن استحضار ملفات الماضي الحقوقي، في حين ينبغي، من الناحية الصحفية، التمييز بين ما صرّح به عرشان فعلياً، وما ورد في شهادات الآخرين، وما يُطرح من استنتاجات أو مواقف سياسية بشأنه.

سنوات الرصاص.. شهادات لا ينبغي تجاهلها ولا تحويلها إلى أحكام مسبقة

إن استحضار اسم محمود عرشان في تصريحات منسوبة إلى أحمد البخاري يعيد إلى الواجهة قضية أوسع تتعلق بكيفية التعامل مع شهادات المرحلة التي عُرفت بسنوات الرصاص في المغرب.

فقد خلفت تلك المرحلة انتهاكات جسيمة ومعاناة إنسانية موثقة في عدد من الملفات الحقوقية، وشكلت تجربة هيئة الإنصاف والمصالحة محطة مهمة في مسار الكشف عن الحقيقة وجبر الضرر وتعزيز ضمانات عدم التكرار.

لكن التعامل مع الشهادات المتعلقة بأشخاص بعينهم يظل محتاجاً إلى التوثيق والتدقيق والمقارنة بين المصادر، مع احترام حق المعنيين في الرد، وعدم الخلط بين الاتهام والإثبات.

وفي الوقت نفسه، لا ينبغي أن يؤدي غياب الحسم في بعض الادعاءات إلى إهمال شهادات الضحايا أو التقليل من أهمية توثيق ما تعرضوا له من معاناة، بل يستدعي ذلك مزيداً من البحث والتحقيق وحفظ الذاكرة.

الذاكرة الوطنية بين الاعتراف والمساءلة

من منظور الرأي والتحليل، فإن الإشكال لا يتعلق فقط بشخص محمود عرشان أو بما نُسب إليه، بل يتجاوز ذلك إلى سؤال المعايير التي ينبغي أن تحكم التعامل مع الماضي الحقوقي في الحياة العامة.

فهل يكفي استحضار تاريخ المقاومة والانتماء العائلي لتجاوز الأسئلة التي تثيرها شهادات مرتبطة بالانتهاكات؟ أم أن بناء ذاكرة وطنية مشتركة يقتضي فتح الملفات الخلافية، والتحقق من الوقائع، والاستماع إلى الضحايا، وضمان حق الرد لجميع الأطراف؟

إن الإجابة عن هذه الأسئلة لا تكون بالتشهير أو بإصدار أحكام مسبقة، وإنما بإعمال قواعد التوثيق والمساءلة والإنصاف، بعيداً عن الانتقائية أو التوظيف السياسي.

إن ما نُسب إلى أحمد البخاري بشأن محمود عرشان يستحق التوثيق والتحقق بالنظر إلى خطورة الادعاءات الواردة فيه، كما أن من حق الرأي العام الاطلاع على المعطيات الموثوقة المتعلقة بملفات الماضي الحقوقي. وبين الشهادة والرد، وبين الاتهام والإثبات، تظل الحقيقة وكرامة الضحايا واحترام القانون هي المعايير الأساسية لأي نقاش مسؤول حول سنوات الرصاص.

اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع الدائرة نيوز _ Dairanews لمعرفة جديد الاخبار