الرأي والتحليل

من الحركة الوطنية إلى “حزب الصورة”: كيف تحوّل المشهد الحزبي المغربي من الشرعية التاريخية إلى التسويق السياسي

“في عصر الصورة، لا تنتصر الأفكار الأكثر عمقًا دائمًا… بل الأفكار الأكثر قدرة على جذب الانتباه.”
— Guy Debord، من كتاب مجتمع الفرجة

في المغرب، لم يعد هذا التحول مجرد نظرية فلسفية، بل أصبح واقعًا سياسيًا ملموسًا. ففي انتخابات 2021، كشفت الحملات الرقمية والتحولات التواصلية العميقة كيف تحولت الصورة السياسية إلى عنصر حاسم في تشكيل المزاج الانتخابي، خصوصًا مع الصعود القوي للأحزاب التي استثمرت بكثافة في التواصل الرقمي والخطاب البصري المباشر، مقابل تراجع أحزاب تاريخية اعتمدت طويلًا على الرصيد النضالي والشرعية التاريخية.

ولعل السقوط الانتخابي الكبير الذي عرفه حزب العدالة والتنمية سنة 2021، مقابل الصعود اللافت لـحزب التجمع الوطني للأحرار، شكّل لحظة رمزية فارقة كشفت أن السياسة المغربية دخلت مرحلة جديدة:

مرحلة لم تعد تُحسم فقط داخل المقرات الحزبية أو النقابات أو الذاكرة النضالية، بل أيضًا داخل الفضاء الرقمي، ومنصات التواصل، وصناعة الصورة والانطباع.

من الحركة الوطنية إلى “حزب الصورة”: كيف تحوّل المشهد الحزبي المغربي من الشرعية التاريخية إلى التسويق السياس

لم يعد فهم الأحزاب المغربية اليوم ممكناً عبر سردية واحدة بسيطة تربطها مباشرة بجذورها في الحركة الوطنية أو بمراحل بناء الدولة بعد الاستقلال. فالمشهد الحزبي انتقل تدريجياً من منطق “الشرعية التاريخية” إلى منطق “الشرعية الاتصالية”، ومن ثقافة التنظيم الإيديولوجي إلى ثقافة الصورة، ومن الحزب كامتداد اجتماعي إلى الحزب كمنتج سياسي يُدار بمنطق التسويق.

هذا التحول لم يحدث فجأة، بل تشكّل عبر ثلاث موجات متراكبة: الدولة بعد الاستقلال، ثم التعدد الحزبي في مرحلة الانفتاح، وأخيراً العصر الرقمي الذي أعاد تعريف السياسة نفسها كمساحة للانتباه أكثر من كونها مجالاً للتمثيل.

1. من الحركة الوطنية إلى الدولة: السياسة كذاكرة مؤسسة

انبثقت الأحزاب المغربية الأولى من رحم الحركة الوطنية، حيث ارتبطت شرعيتها بمقاومة الاستعمار وبناء الدولة الحديثة. في تلك المرحلة، كان الحزب يُقاس بقدرته على تمثيل “الأمة” لا على عدد مقاعده فقط، وكانت اللغة السياسية مشبعة بمفاهيم مثل التحرر، الاستقلال، والإجماع الوطني.

لكن مع تشكل الدولة الحديثة، بدأت هذه الشرعية التاريخية تفقد احتكارها الرمزي. فالمؤسسات أخذت تدريجياً دور الفاعل المركزي، بينما تحولت الأحزاب إلى وسطاء بين الدولة والمجتمع بدل أن تكون قوى مؤسسة لها.

هذا التحول الأول أسّس لفكرة محورية:
السياسة لم تعد ملكاً للذاكرة وحدها، بل أصبحت مجالاً للتدبير والمؤسسات.

2. مرحلة التعدد والانفتاح: بداية تفكك السرديات الكبرى

مع الانفتاح السياسي التدريجي، خصوصاً منذ أواخر السبعينيات والتسعينيات، دخل المغرب مرحلة إعادة توزيع السلطة الحزبية. ظهرت أحزاب جديدة، وتغيرت قواعد المنافسة، وبدأت الشرعيات التاريخية تفقد احتكارها.

في هذه المرحلة، لم يعد كافياً أن يكون الحزب “ابن الحركة الوطنية”، بل أصبح مطالباً ببناء تنظيم، خطاب، وانتشار انتخابي.

هنا بدأت أولى علامات التحول:

  • من الحزب كـ“رسالة تاريخية”
  • إلى الحزب كـ“فاعل انتخابي”

ومع توسع التعدد الحزبي، بدأ الناخب المغربي بدوره يتغير: من ناخب مرتبط بالرمزية الوطنية إلى ناخب يبحث عن الأداء والنتائج والتموقع.

3. نقطة التحول الحاسمة: صعود منطق التدبير بدل الإيديولوجيا

مع بداية الألفية الثالثة، دخل المغرب مرحلة جديدة أعادت تعريف السياسة بالكامل. فالأحزاب لم تعد تتنافس فقط حول المرجعيات الفكرية، بل حول القدرة على التدبير، التفاوض، وإنتاج الحلول الواقعية.

في هذه اللحظة، بدأت الإيديولوجيا تفقد مركزيتها، لصالح ما يمكن تسميته بـ“البراغماتية السياسية”.

هذا التحول أنتج نتائج عميقة:

  • تراجع الخطابات الكبرى (اليسار/الإسلام السياسي/القومية)
  • صعود الأحزاب الوسطية المرنة
  • تحول الناخب إلى فاعل انتقائي لا ولائي

وهنا بدأت السياسة المغربية تقترب أكثر من نموذج “الإدارة” بدل “الصراع”.

4. الثورة الصامتة: من الحزب إلى الصورة

التحول الأكثر عمقاً لم يكن سياسياً فقط، بل كان تواصلياً. فمع صعود التلفزيون ثم الإعلام الرقمي، بدأت السياسة تُمارس داخل فضاء جديد: فضاء الصورة.

في هذا السياق، لم يعد الحزب يُعرّف فقط ببرنامجه، بل بـ:

  • حضوره الإعلامي
  • قدرته على إنتاج خطاب جذاب
  • شخصياته الكاريزمية
  • وحضوره الرقمي

هنا انتقلنا من “حزب التنظيم” إلى “حزب الشخصية”، ومن “حزب القاعدة” إلى “حزب الصورة”.

وأصبح الزعيم السياسي، أكثر من البرنامج، هو الواجهة الأساسية للحزب.

5. من بنكيران إلى التسويق السياسي: الشخصية كعلامة تجارية

يمكن فهم هذا التحول بشكل واضح من خلال صعود نماذج سياسية اعتمدت على الكاريزما المباشرة والتواصل الشعبي، حيث تحولت اللغة السياسية إلى خطاب قريب من الجمهور، سريع، ومشحون بالعاطفة.

في هذه المرحلة، لم يعد الحزب مجرد مؤسسة، بل أصبح “علامة سياسية” تُدار كما تُدار العلامات التجارية:

  • اختيار الصورة
  • إدارة الخطاب
  • هندسة الظهور الإعلامي
  • التحكم في الإيقاع الرقمي

وهذا ما جعل السياسة أقرب إلى “اقتصاد انتباه” منها إلى “مؤسسات تمثيلية”.

6. الحزب الرقمي: السياسة في زمن المنصات

اليوم، دخلت الأحزاب المغربية مرحلة جديدة أكثر تعقيداً: مرحلة المنصات الرقمية. هنا لم يعد التأثير يُقاس فقط بالبرلمان أو الجماعات، بل أيضاً:

  • بعدد التفاعلات
  • بقوة المحتوى
  • بسرعة الانتشار
  • وبقدرة الخطاب على صناعة الجدل

في هذا السياق، لم يعد الحزب كياناً مغلقاً، بل أصبح نظاماً مفتوحاً يتفاعل مع الجمهور لحظة بلحظة.

لكن هذا التحول خلق مفارقة جديدة:
كلما زادت قوة الصورة، تراجعت أحياناً عمق الفكرة.

7. ما الذي خسرته السياسة المغربية؟

هذا التحول من الحركة الوطنية إلى التسويق السياسي لم يكن بلا ثمن. فقد خسرت الأحزاب تدريجياً ثلاثة عناصر أساسية:

أولاً، العمق الإيديولوجي: حيث تراجعت المشاريع الفكرية الكبرى لصالح خطابات مرنة.

ثانياً، الارتباط التنظيمي العميق: حيث ضعفت الروابط بين الحزب وقواعده الاجتماعية التقليدية.

ثالثاً، المعنى التاريخي للسياسة: حيث تحولت السياسة من مشروع جماعي إلى منافسة على التأثير والظهور.

8. ما الذي كسبه النظام الحزبي؟

لكن في المقابل، كسب المشهد السياسي المغربي:

  • مرونة أكبر في التكيف
  • قدرة أعلى على إدارة التوازنات
  • انفتاحاً على أدوات حديثة للتواصل
  • وتخففاً من الاستقطاب الإيديولوجي الحاد

بمعنى آخر، تحولت السياسة من “معركة هويات” إلى “إدارة تعقيد”.

السياسة كصناعة للمعنى في عصر الصورة

إن التحول من أحزاب الحركة الوطنية إلى أحزاب الصورة والتسويق السياسي لا يعني نهاية السياسة، بل إعادة تعريفها.

فالحزب المغربي اليوم لم يعد فقط امتداداً لتاريخ المقاومة أو البناء، بل أصبح فاعلاً داخل نظام عالمي جديد تحكمه:

  • السرعة
  • الصورة
  • والانتباه

لكن السؤال الذي يبقى مفتوحاً:
هل يمكن للسياسة أن تحافظ على عمقها الفكري في زمن تُقاس فيه القيمة بعدد المشاهدات أكثر من قوة الأفكار؟

في هذا التوتر تحديداً، يعيش المشهد الحزبي المغربي أحد أكثر تحولاته حساسية منذ الاستقلال: انتقاله من شرعية التاريخ إلى اختبار المستقبل.

اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع الدائرة نيوز _ Dairanews لمعرفة جديد الاخبار