أقلام حرة

من الرباط: حين تتحول المدينة إلى مكتبة مفتوحة على العالم

“في كل كتابٍ نافذة، لكن في المعرض… مدينة كاملة من النوافذ.”

في يوم الجمعة 1 ماي 2026 ، وعلى ضفاف نهر أبي رقراق، لم يكن الزوار يدخلون فقط إلى فضاء المعرض الدولي للنشر والكتاب، بل كانوا—في الآن ذاته—يعبرون نحو عالمٍ آخر؛ عالمٍ تُقاس فيه القيمة بعدد الأفكار المتداولة، لا بعدد الخطوات المقطوعة. وهنا تحديدًا، في قلب المعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط، تتشكل خريطة ثقافية تعكس تحولات المغرب، وتُحاور العالم بلغات متعددة.

أولًا: تنظيم ذكي… يعكس رؤية لا مجرد إدارة

من الوهلة الأولى، يلاحظ الزائر أن المعرض لا يراهن على الحجم فقط، بل أيضًا على تجربة متكاملة. فالأروقة، الموزعة بدقة بين أجنحة A وB وC وD وE، لا تمثل مجرد تقسيمات تقنية، بل تعكس تصورًا حديثًا للثقافة كمسار تفاعلي.

وعلاوة على ذلك، تتيح الخرائط التفصيلية—كما تظهر في الصور—تنقلًا سلسًا بين:

  • فضاءات الناشرين
  • منصات الندوات
  • أجنحة المؤسسات الرسمية
  • مناطق الخدمات

وبالتالي، يتحول المعرض من “سوق كتاب” إلى “منصة تجربة”، حيث لا يكتفي الزائر بالشراء، بل ينخرط في مسار معرفي متكامل.

ثانيًا: فسيفساء النشر… تنوع يعكس صراعًا صامتًا

في اللوحة الضخمة التي تعرض “لائحة العارضين”، تتجلى كثافة المشهد: مئات الأسماء، من دور نشر مغربية وعربية ودولية، إلى جانب مؤسسات أكاديمية ومبادرات مستقلة.

غير أن هذا التنوع لا يخفي واقعًا أكثر تعقيدًا.

فـ:

  • دور النشر المستقلة تحاول فرض حضورها
  • الناشرون الكبار يعززون مواقعهم بعناوين تجارية
  • المؤسسات الرسمية تسعى إلى تثبيت خطاب ثقافي مؤطر

ومن جهة أخرى، يبرز تنافس غير معلن بين “الكتاب الفكري” و”الكتاب السريع الاستهلاك”، وهو تنافس يعكس تحولات عميقة في ذائقة القارئ.

ثالثًا: الجمهور… تحوّل في السلوك لا في العدد فقط

على خلاف الصورة النمطية، لا يبدو الزائر هنا متفرجًا سلبيًا. بل على العكس، يظهر انخراط واضح، خاصة من فئة الشباب.

فمن جهة، يزداد الإقبال على:

  • الرواية المعاصرة
  • كتب التنمية الذاتية
  • الإصدارات المرتبطة بالهوية والتحولات الاجتماعية

ومن جهة أخرى، يتراجع الاهتمام النسبي بـ:

  • المؤلفات الأكاديمية الثقيلة
  • الكتب النظرية المعقدة

وهكذا، لا يعكس المعرض فقط “من يقرأ”، بل يكشف أيضًا “كيف يقرأ” الجيل الجديد.

رابعًا: القوة الناعمة… الثقافة كامتداد للسياسة

في السياق الأوسع، لا يمكن فصل المعرض عن رهانات المغرب الثقافية. فحضور دول متعددة، إلى جانب برمجة فكرية متنوعة، يعكس بوضوح توظيف الثقافة كأداة تأثير.

وعليه:

  • يعزز المغرب موقعه كجسر بين إفريقيا وأوروبا والعالم العربي
  • تطرح الندوات قضايا كبرى (الهوية، الرقمنة، الذكاء الاصطناعي)
  • تقدم الدول المشاركة سردياتها الثقافية بشكل غير مباشر

بالتالي، يصبح المعرض فضاءً للتنافس الرمزي بقدر ما هو مساحة للتبادل الثقافي.

خامسًا: اقتصاد الكتاب… هشاشة تحت السطح

رغم الحيوية الظاهرة، تواجه صناعة النشر تحديات حقيقية.

إذ:

  • ترتفع تكاليف الطباعة بشكل مستمر
  • يظل التوزيع محدودًا خارج المدن الكبرى
  • ينافس المحتوى الرقمي المجاني بقوة

ومع ذلك، يظل المعرض لحظة حاسمة، حيث يعتمد العديد من الناشرين على هذه التظاهرة لتحقيق نسبة مهمة من مبيعاتهم السنوية.

ما وراء المشهد: لحظات لا تُقاس بالأرقام

في النهاية، لا تختزل قيمة المعرض في أرقامه.

بل تتجسد في:

  • كاتب يوقع كتابه الأول وسط توتر واضح
  • قارئ يلتقي بمؤلف أثّر في مساره
  • طفل يكتشف دهشة الصفحة الأولى

وهنا تحديدًا، يصبح المعرض تجربة إنسانية قبل أن يكون حدثًا ثقافيًا.

في المحصلة، يقدم المعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط صورة مركبة:

  • طموح تنظيمي واضح
  • تنوع ثقافي غني
  • تحولات عميقة في سلوك القراءة
  • وتحديات اقتصادية مستمرة

لكن الأهم، أنه يطرح سؤالًا مفتوحًا:
هل يستطيع الكتاب، في عصر السرعة الرقمية، أن يحافظ على مكانته؟

الإجابة لا تُكتب هنا… بل تُقرأ في الأروقة.

تعليقات الزوار ( 1 )

  1. Interesting analysis! Seeing patterns in numbers is key, and it’s cool how platforms like jl111 vip use data to ensure fair play & optimize games. Transparency with RTP is a big plus for players, too!

اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع الدائرة نيوز _ Dairanews لمعرفة جديد الاخبار