سياسة

من الصدارة إلى المرتبة الرابعة: هل يستطيع الحمامة استعادة ثقة المواطن بعد انخراطه في الحكومة؟

 

بعد أن كان الحزب الأول في انتخابات 2021 بـ102 مقعد، خرج التجمع الوطني للأحرار من استحقاق 23 شتنبر 2026 بـ66 مقعدا فقط، متراجعا إلى المرتبة الثانية بفارق مقعد واحد عن حزب الاستقلال . ورغم هذا التآكل الانتخابي الواضح، قرر المكتب السياسي للحزب الانخراط في التشكيلة الحكومية الجديدة التي تقودها فاطمة الزهراء المنصوري، ليطرح السؤال الأكثر إلحاحا: هل يمكن لحزب “الحمامة” أن يستعيد ثقة الناخبين وهو يشارك في حكومة لم يعد يقودها؟

للإجابة على هذا السؤال، لا بد من قراءة الأرقام بحذر. خسر الحزب 36 مقعدا مقارنة بانتخابات 2021، لكنه حافظ على موقعه كقوة سياسية رئيسية داخل الأغلبية الجديدة . غير أن قراءة أدق للنتائج تكشف عن إشارة أكثر قسوة: الحزب حصل على 318 ألف صوت فقط في الاستحقاقات الأخيرة، مقابل أرقام أعلى بكثير في 2021 . هذا التراجع لا يعكس فقط منافسة سياسية أشد، بل يعكس أيضا حالة من التآكل في القاعدة الانتخابية للحزب، خاصة في المناطق التي كان يعتمد فيها على حضور قيادي بارز.

قرار الانخراط في الحكومة الجديدة يحمل مخاطرة سياسية واضحة. فالحزب الذي قاد الحكومة لمدة خمس سنوات يجد نفسه الآن شريكا في أغلبية يقودها حزب آخر، ما يضعف قدرته على تقديم نفسه كـ”صاحب فضل” في الإنجازات الحكومية. هذا الوضع يذكر بمواقف قيادييه الذين دافعوا عن حصيلة الحكومة السابقة، معترفين ضمنا أن الإصلاحات “تحتاج وقتا حتى تظهر نتائجها” ، وهو خطاب قد لا يجد صدى واسعا لدى مواطن لم يلمس التحسن الموعود في حياته اليومية.

في المقابل، يرى الحزب أن مشاركته في الحكومة فرصة لمواصلة العمل على “التعاقد الأخلاقي” الذي طرحه سابقا، والتأكيد على أن السياسة عنده “ليست موسمية”، بل تقوم على الحضور الدائم والتواصل مع المواطنين . ويشير قياديوه إلى أن الحزب خاض الانتخابات في ظل تحديات كبرى، وأن النتائج “لا يمكن تجاهلها”، لكنه يتعامل معها “بمنطق النقد الذاتي” لا التبرير .

لكن ثقة المواطن لا تبنى فقط بالخطابات التنظيمية. هي تحتاج إلى نتائج ملموسة، وإلى إرادة حقيقية في الاعتراف بالخلل. الحزب الذي كان يردد أن “ثقة المواطنين تبنى بالعمل المتواصل والنتائج”، مطالب اليوم بترجمة هذا الخطاب إلى واقع، وهو شريك في حكومة لا يقودها، في ظل ارتفاع نسبة العزوف الانتخابي وانحسار المشاركة إلى 38% فقط .

المشكلة الأساسية التي تواجه “الحمامة” ليست فقط استعادة الثقة، بل استعادة القدرة على الإقناع بأنه ما زال قادرا على تقديم الشيء المختلف. المرتبة الرابعة في التصويت الشعبي، وليس الثانية في المقاعد، هي المؤشر الحقيقي على أن الناخب بدأ يدير ظهره. والسؤال الذي سيواجهه الحزب خلال السنوات المقبلة: هل يستطيع أن يقنع مواطنا فقد الثقة بأن مشاركته في الحكومة ليست مجرد مناورة للحفاظ على مواقع النفوذ، بل خيار سياسي لخدمة قضاياه؟ الجواب ليس في البيانات السياسية، بل في القرارات الحكومية المقبلة.

اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع الدائرة نيوز _ Dairanews لمعرفة جديد الاخبار