الرأي والتحليل

أزمة المغرب وإسبانيا 2021-2026: من غالي إلى سبتة والغاز

 

لم تكن أزمة المغرب وإسبانيا حلقة عابرة في تاريخ العلاقات الثنائية، بل تحولت إلى نموذج معقد للصراع الإقليمي حيث تتداخل ملفات الهجرة والطاقة والنزاع الإقليمي في مثلث دبلوماسي جمع المغرب وإسبانيا والجزائر. فما بدأ باستقبال إسبانيا لزعيم البوليساريو عام 2021، تطور إلى أزمة دبلوماسية حادة انتهت بتحول استراتيجي إسباني لدعم مخطط الحكم الذاتي المغربي، ثم عاد ليلتهم مجدداً في صيف 2026 بأزمة هجرة غير مسبوقة إلى سبتة، كشفت عن هشاشة العلاقات واستمرار استخدام ملف الهجرة كورقة ضغط. هذا المقال يستعرض تطورات هذه الأزمة الممتدة وأسبابها وتداعياتها، مع التركيز على الدور المحوري للجزائر وحلقة الهجرة الجديدة التي هزت أوروبا.

اندلعت شرارة الأزمة في أبريل 2021، عندما استقبلت إسبانيا إبراهيم غالي، زعيم جبهة البوليساريو، لتلقي علاج من كوفيد-19 في مستشفى إسباني، دون إخطار الرباط مسبقاً. اعتبر المغرب هذا الفعل تجاوزاً للالتزام الحيادي الإسباني في نزاع الصحراء، واتهم مدريد بالانحياز ضد مصالحه الوطنية. كرد فعل، استخدم المغرب ورقة الهجرة، ففي منتصف مايو 2021، تدفق نحو 8 آلاف مهاجر بشكل غير مسبوق إلى سبتة، في مشهد اعتبرته أوروبا “ابتزازاً سياسياً” بينما رأى فيه المغرب تطبيقاً لقاعدة “المعاملة بالمثل”. استمرت الأزمة الدبلوماسية شهوراً، لتصل ذروتها في مارس 2022، حين أعلن رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز بشكل مفاجئ دعمه لمخطط الحكم الذاتي المغربي كـ “الأساس الأكثر جدية وواقعية” لحل نزاع الصحراء، منهياً بذلك الأزمة مع المغرب لكنه فتح جبهة جديدة مع الجزائر التي اعتبرت هذا التحول “طعنة في الظهر”.

كان الرد الجزائري على التحول الإسباني عنيفاً وسريعاً، إذ استدعت سفيرها من مدريد فوراً في مارس 2022، وفي يونيو 2022 اتخذت قراراً غير مسبوق بتعليق العمل بمعاهدة الصداقة وحسن الجوار مع إسبانيا، الموقعة منذ 2002. لكن الأكثر تأثيراً كان استخدام الجزائر لورقة الغاز، حيث تشكل إسبانيا أحد أكبر زبائن الغاز الجزائري (نحو 40% من وارداتها). أعلنت الجزائر أنها لن تسمح بتدفق غازها إلى المغرب عبر خط أنابيب “المغرب العربي-أوروبا” الذي يمر بالأراضي المغربية، وقد سبق أن أوقفت ضخ الغاز عبر هذا الخط في أكتوبر 2021. غير أن إسبانيا بدأت بالتوجه نحو مصادر بديلة، خصوصاً الغاز الأمريكي المسال، مما خفف من وطأة الورقة الجزائرية وأظهر محدودية تأثيرها على المدى البعيد، خاصة بعد المصالحة الجزائرية-الإسبانية في يوليو 2026، حين زار سانشيز الجزائر وبحث زيادة إمدادات الغاز عبر خط أنابيب ميدغاز الذي يتجاوز المغرب بالكامل .

في نهاية يوليو 2026، شهدت مدينة سبتة الإسبانية أزمة هجرة غير مسبوقة، حيث قدر عدد الوافدين من المغرب خلال ساعات بـ نحو 50-70 ألف مهاجر، متجاوزين بذلك أزمة 2021 بكثير . يعود السبب المباشر لهذه الموجة إلى قرار المحكمة العليا الإسبانية الصادر في يوليو 2026، والذي قضى بأن المهاجرين الذين يصلون بحراً إلى سبتة ومليلية لا يمكن إعادتهم فورياً (بخلاف العابرين براً)، بل يجب أن يخضعوا لإجراءات قانونية تتيح لهم طلب الحماية الدولية . تم تحريف هذا القرار عبر وسائل التواصل الاجتماعي ليصبح “من يسبح إلى سبتة يحصل على الإقامة”، مما دفع الآلاف لخوض رحلة خطيرة عبر البحر، رغم أن الحكومة الإسبانية أكدت أن القرار لا يمنح حقاً تلقائياً بالبقاء . أسفرت هذه المحاولات عن مقتل ما لا يقل عن 75 شخصاً، بعضهم غرقاً والبعض الآخر دهساً أثناء محاولتهم تسلق الحاجز البحري .

أحدثت أزمة 2026 تداعيات خطيرة على المستوى الأوروبي، حيث علقت إيطاليا مؤقتاً اتفاقية شينجن مع إسبانيا وأغلقت حدودها البحرية والجوية، في خطوة وصفتها مدريد بـ “غير الأوروبية والأنانية” . كما وقعت 22 دولة أوروبية رسالة تطالب بعقد اجتماع طارئ لوزراء الداخلية، مما يعكس انقساماً حاداً داخل الاتحاد الأوروبي حول سياسات الهجرة . وفي المقابل، تحركت الرباط ومدريد لاحتواء الأزمة، حيث أعادت السلطات المغربية والإسبانية أكثر من 70 ألف مهاجر إلى المغرب خلال 48 ساعة . كما عمدت إسبانيا إلى تركيب حاجز عائم بطول 500 متر على رصيف الطراحال لمنع تكرار عمليات السباحة حول الحدود البرية . لكن مع دعوات عبر وسائل التواصل لتكرار السيناريو في 15 أغسطس، عزز البلدان وجودهما العسكري والأمني على الحدود تحسباً لأي محاولة جديدة .

تثبت أزمة 2026 أن ملف الهجرة بين المغرب وإسبانيا لم يُحل بعد، بل تحول إلى أداة ضغط متجددة تُستخدم في سياقات دبلوماسية أوسع، خاصة مع استمرار التوتر حول الصحراء والمصالحة الإسبانية-الجزائرية التي اعتبرتها الرباط استفزازاً جديداً. ورغم نجاح مدريد والرباط في احتواء الأزمة وإعادة المهاجرين، إلا أن القرار القضائي الإسباني بقي قائماً، مما يبقي الباب مفتوحاً أمام موجة جديدة إذا ما تكررت ظروف التحريض عبر وسائل التواصل. وفي سياق أوسع، تبرهن هذه الأزمة على أن العلاقات المغربية-الإسبانية أصبحت رهينة لحسابات إقليمية معقدة تشمل الجزائر والاتحاد الأوروبي، وأن استقرار هذه المنطقة مرهون بقدرة الأطراف على تجاوز منطق الابتزاز إلى حوار شامل يعالج الجذور العميقة للصراع بدلاً من التعامل مع تداعياته السطحية.

اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع الدائرة نيوز _ Dairanews لمعرفة جديد الاخبار