منوعات

أزمة تعديل قوانين العدالة: حين ينتصر منطق المؤسسات على منطق التدبير الفردي

لم يكن قرار سحب ملف التعديلات القانونية من وزير العدل عبد اللطيف وهبي مجرد إجراء إداري عابر، بل كان محطة سياسية كاشفة في مسار إصلاح العدالة بالمغرب. فقد شكّل هذا القرار نهاية مرحلة من التوتر غير المسبوق داخل قطاع حساس، وبداية مراجعة ضمنية لمنهجية أثارت الكثير من الجدل.

لقد عطّل قطاع العدالة لما يقارب شهرًا، وتعطّلت معه مصالح المتقاضين، وتكدّست الملفات، وارتفع منسوب الاحتقان داخل أسرة العدالة. ولم يكن ذلك نتيجة خلاف عابر حول مواد قانونية، بل بسبب شعور فئة واسعة من المهنيين بأن مقاربة إعداد مشاريع التعديلات افتقدت إلى الحد الأدنى من التشاور والتوافق.

العدالة ليست مجالًا للتجريب

إن التشريع في مجال العدالة ليس شأنًا تقنيًا محدود الأثر، بل هو مسألة ترتبط مباشرة بالحقوق والحريات والتوازنات الدستورية. لذلك فإن أي تعديل يمس قوانين المسطرة المدنية أو الجنائية يجب أن يخضع لمنهجية دقيقة، تراعي روح الدستور، وتحترم مبدأ المشاركة، وتستحضر الأثر العملي للنصوص قبل إخراجها إلى حيز التنفيذ.

وقد وُجهت انتقادات واسعة لمشروع تعديل قانون المسطرة المدنية، حيث اعتبر معارضوه أن بعض مقتضياته قد تُقيّد الولوج إلى العدالة بدل تسهيله. أما مشروع المسطرة الجنائية، فقد أثار مخاوف أعمق تتعلق بضمانات المحاكمة العادلة وحقوق الدفاع، وهي مجالات لا تحتمل الصياغات المرتبكة أو الحسابات السياسية الضيقة.

منطق الغلبة أم منطق التوافق؟

الأزمة لم تكن فقط في مضمون النصوص، بل في أسلوب تدبيرها. فقد بدا وكأن المقاربة المعتمدة تقوم على فرض رؤية جاهزة بدل بناء توافق تدريجي مع الفاعلين المعنيين. وفي قطاع معقد ومتعدد الأطراف كقطاع العدالة، لا يمكن لمنطق الغلبة أن ينجح حيث يفشل منطق الحوار.

إن المحامين، باعتبارهم ركيزة أساسية في المنظومة القضائية، لم ينظروا إلى القضية باعتبارها مواجهة سياسية، بل معركة دفاع عن الكرامة المهنية وعن حقهم في المشاركة في صياغة النصوص المؤطرة لمهنتهم. وهنا برز البعد الرمزي للأزمة: صراع بين تصور أحادي للإصلاح، ورؤية تشاركية ترى في الحوار شرطًا لنجاح أي ورش تشريعي.

الرسالة السياسية لما حدث

القرار بسحب الملف لم يكن انتصارًا لفئة على أخرى، بل انتصارًا لمنطق المؤسسات. فهو يعكس إدراكًا بأن الإصلاحات الكبرى لا تُدار بمنطق الاندفاع، بل بمنطق التدرج والتشاور والاحتكام إلى المصلحة العامة.

كما كشف الحدث أن قوة أي مسؤول سياسي لا تُقاس بصلابة مواقفه، بل بقدرته على الإنصات والتراجع حين يقتضي الأمر ذلك. فالإصلاح الحقيقي ليس إملاءً من فوق، بل بناء مشترك من داخل المؤسسات.

العدالة… مشروع دولة لا مشروع أشخاص

يبقى الدرس الأهم أن إصلاح العدالة ليس مشروع وزارة أو وزير، بل مشروع دولة. هو مسار طويل يتطلب نفسًا إصلاحيًا عميقًا، يوازن بين تحديث النصوص وصيانة الضمانات، بين النجاعة القضائية وحماية الحقوق، وبين الجرأة التشريعية واحترام الثوابت الدستورية.

إن ما حدث قد يكون لحظة تصحيح ضرورية، وفرصة لإعادة إطلاق ورش الإصلاح على أسس أكثر صلابة، تُشرك القضاة والمحامين وباقي الفاعلين، وتضع المواطن وحقوقه في قلب العملية التشريعية

اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع الدائرة نيوز _ Dairanews لمعرفة جديد الاخبار