استنفار في أوروبا بعد حر غير مسبوق.. وتحذيرات من خسائر بشرية
تواصل موجة الحر الاستثنائية التي تجتاح أوروبا الغربية تصعيد تأثيراتها على ملايين السكان، وسط تحذيرات متزايدة من مخاطر صحية قد تطال الفئات الأكثر هشاشة، في وقت سجلت فيه فرنسا مستويات حرارة غير مسبوقة، بينما تستعد بريطانيا لتحطيم أرقام تاريخية جديدة خلال الأيام المقبلة.
وتعد هذه الموجة الثانية من نوعها التي تضرب القارة في أقل من شهر، في مؤشر جديد على تصاعد الظواهر المناخية المتطرفة التي يربطها العلماء بشكل مباشر بتداعيات التغير المناخي الناجم عن النشاط البشري.
حرارة خانقة تضرب جنوب أوروبا
في العاصمة الإسبانية مدريد، يعاني العاملون في المهن الميدانية من ظروف قاسية. ويقول فالنتين فرنانديز، البالغ من العمر 54 عاماً ويعمل في نقل الأثاث، إن العمل تحت أشعة الشمس بات أشبه بمعركة يومية مع الحرارة المرتفعة، مؤكداً أن التوقف عن العمل ليس خياراً متاحاً بالنسبة للكثيرين رغم المخاطر.
ويرجع خبراء الأرصاد هذه الموجة إلى تمركز كتلة هوائية باردة في الطبقات العليا من الغلاف الجوي قبالة السواحل البرتغالية، ما يؤدي إلى دفع تيارات حارة قادمة من شمال إفريقيا نحو أوروبا الغربية، بالتزامن مع استقرار مرتفع جوي يعزز احتباس الحرارة لفترات أطول.
تحذيرات من تهديد مباشر للحياة
وفي جنيف، حذر الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر من أن استمرار درجات الحرارة المرتفعة قد يشكل خطراً قاتلاً على كبار السن والأطفال والأشخاص الذين يعانون أمراضاً مزمنة، ما لم تُتخذ إجراءات وقائية عاجلة.
كما دعا الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، خلال مؤتمر للمناخ في لندن، إلى تسريع الجهود العالمية للحد من ظاهرة الاحتباس الحراري، مشدداً على ضرورة التخلي التدريجي عن الاعتماد على الوقود الأحفوري الذي يغذي أزمتي المناخ والطاقة معاً.
فرنسا تسجل أعلى معدل حرارة في تاريخها
وتبقى فرنسا من أكثر الدول تضرراً بالموجة الحالية، حيث يواجه أكثر من 90 في المائة من السكان درجات حرارة شديدة الارتفاع.
وسجلت هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية متوسطاً يومياً بلغ 29.8 درجة مئوية، وهو أعلى معدل يتم تسجيله منذ بدء القياسات الرسمية عام 1947، متجاوزاً الأرقام القياسية المسجلة خلال موجتي الحر التاريخيتين في عامي 2003 و2019.
كما بلغت الحرارة ذروتها عند 44.3 درجة مئوية في منطقة لاند جنوب غربي البلاد، فيما توقعت السلطات أن تتجاوز الموجة الحالية من حيث الشدة والحرارة القصوى تلك التي شهدتها فرنسا صيف 2003.
إغلاق معالم سياحية ومرافق عامة
وأجبرت الظروف المناخية الاستثنائية السلطات الفرنسية على اتخاذ تدابير وقائية واسعة، شملت الإغلاق المبكر لبرج إيفل ومتحف اللوفر، إلى جانب توصيات بتأجيل زيارة عدد من المواقع السياحية الشهيرة، من بينها مون سان ميشيل في نورماندي.
كما تم إيقاف تشغيل إحدى المحطات النووية مؤقتاً، فيما تأثرت حركة النقل وبعض الأنشطة الاقتصادية والتعليمية في مناطق مختلفة من البلاد.
وفيات وحوادث مرتبطة بالحر
وتتزايد المخاوف من التداعيات الإنسانية للموجة الحارة، بعدما أعلنت السلطات الفرنسية وفاة عشرات الأشخاص غرقاً خلال الأسابيع الأخيرة، إثر توجههم إلى أماكن سباحة غير مراقبة هرباً من درجات الحرارة المرتفعة.
كما شهدت البلاد حوادث مأساوية، بينها وفاة طفلين داخل سيارة متوقفة جنوب شرق فرنسا، إضافة إلى وفاة ثلاثة مسنين داخل منازلهم نتيجة الإجهاد الحراري.
بريطانيا على موعد مع رقم تاريخي
وفي المملكة المتحدة، تستعد السلطات لمواجهة أيام استثنائية مع إصدار أعلى درجات التحذير المناخي في أجزاء واسعة من جنوب البلاد، بما في ذلك العاصمة لندن.
ويتوقع خبراء الأرصاد أن تقترب درجات الحرارة من 40 درجة مئوية، ما يجعل كسر الرقم القياسي المسجل لشهر يونيو أمراً شبه مؤكد، وهو رقم ظل صامداً لعقود طويلة.
ودفعت المخاوف المرتبطة بالحرارة مئات المدارس الإنجليزية إلى تقليص ساعات الدراسة أو إغلاق أبوابها مؤقتاً، في خطوة تهدف إلى حماية التلاميذ والموظفين.
أوروبا أمام اختبار مناخي جديد
ولا تقتصر تداعيات موجة الحر على فرنسا وبريطانيا فقط، إذ أصدرت إيطاليا إنذارات حمراء في عدد من المدن الكبرى، فيما فرضت مناطق عدة قيوداً على العمل في الهواء الطلق. كما خفضت سلوفينيا سرعة القطارات لتجنب أضرار محتملة في البنية التحتية، بينما رفعت إسبانيا وبلجيكا مستويات التأهب لمواجهة درجات الحرارة القياسية.
ومع استمرار تمدد الكتلة الحارة فوق القارة الأوروبية، تبدو الأيام المقبلة حاسمة في تحديد حجم التأثيرات الصحية والاقتصادية لهذه الموجة التي باتت تُصنف ضمن أشد الظواهر المناخية تطرفاً في تاريخ أوروبا الحديث.
اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع الدائرة نيوز _ Dairanews لمعرفة جديد الاخبار