الرأي والتحليل

الأحزاب السياسية المغربية أمام اختبار النتائج

من ديمقراطية الوعود إلى ديمقراطية الفعالية والكفاءة والأثر

دراسة في المسافة بين الخطاب الحزبي والسياسات العمومية وما يتغير فعلياً في حياة المواطن

«حُسنُ الفعل خيرٌ من حُسنِ القول.»
بنجامين فرانكلين

ثمة لحظة في حياة كل سياسة عمومية تفقد فيها الكلمات قدرتها على الإقناع، وتتقدم النتائج لتفرض حكمها.

قبل الانتخابات، تتنافس الأحزاب على الوعود. وبعد تشكيل الحكومات، تتنافس على تفسير الحصيلة. وبين اللحظتين يعيش المواطن شيئاً أكثر أهمية من كليهما: الأثر الفعلي للسياسات العمومية في حياته اليومية.

وهنا يبدأ السؤال الذي ينبغي أن يكون في صميم الديمقراطية المعاصرة: هل نحكم على الحزب بما قاله، أم بما فعله، أم بما تغير فعلاً نتيجة ما فعله؟

إنها ثلاثة مستويات مختلفة تماماً.

فقد تفي حكومة بوعد إنشاء برنامج، لكنها لا تحقق الغاية التي أُنشئ البرنامج من أجلها. وقد تخصص ميزانية ضخمة لقطاع اجتماعي، لكن ارتفاع الإنفاق لا يعني تلقائياً تحسن الخدمة. وقد تُحدث آلاف فرص العمل، بينما تظل بطالة الشباب مرتفعة.

لذلك، لا تكمن الفجوة الأخطر في السياسة دائماً بين الوعد والتنفيذ، بل أحياناً بين التنفيذ والأثر.

ومن هنا تقترح هذه الدراسة الانتقال من السؤال التقليدي: «ماذا فعلت الأحزاب؟» إلى سؤال أكثر صرامة:

ما الذي تغير فعلاً بسبب ما فعلته؟

1. من إدارة الأشياء إلى إدارة النتائج

تقدم أدبيات الإدارة العامة تمييزاً أساسياً بين مفهومين كثيراً ما يختلطان في الخطاب السياسي: الفعالية Effectiveness والكفاءة Efficiency.

فالفعالية تعني، في جوهرها، فعل الأشياء الصحيحة وتحقيق الأهداف المحددة؛ في حين تتعلق الكفاءة بتحقيق النتائج باستعمال الموارد والوقت والتكلفة بطريقة اقتصادية ومناسبة.

غير أن تقييم السياسات العمومية أكثر تعقيداً.

فمنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية OECD تعتمد ستة معايير رئيسية للتقييم: الملاءمة Relevance، والاتساق Coherence، والفعالية Effectiveness، والكفاءة Efficiency، والأثر Impact، والاستدامة Sustainability.[1]

ومن ثم، فإن السياسة العامة الجيدة ليست ببساطة تلك التي «تُنفذ».

إنها السياسة التي:

تعالج المشكلة الصحيحة، وتنسجم مع السياسات الأخرى، وتحقق الهدف، وتستخدم الموارد بكفاءة، وتحدث أثراً ملموساً، وتستطيع المحافظة عليه بمرور الزمن.

ويمكن إضافة الإنصاف Equity بوصفه بعداً أفقياً: من استفاد من النتيجة؟ ومن بقي خارجها؟ وهو بُعد تعتبره OECD ممتداً عبر معايير التقييم المختلفة، وليس مجرد مسألة هامشية.[1]

2. معادلة جديدة للحكم على الأداء السياسي

انطلاقاً من ذلك، يمكن بناء نموذج لتقييم السياسة العمومية المغربية:

الوعد ← القرار ← الموارد ← التنفيذ ← المخرجات ← النتائج ← الأثر

والتمييز بين هذه المراحل جوهري.

فبناء مستشفى مخرج Output.

أما تقليص مدة انتظار المريض فهو نتيجة Outcome.

وتحسن صحة السكان على المدى المتوسط والطويل هو أثر Impact.

وبالمثل، إطلاق برنامج للتشغيل مخرج، وعدد المستفيدين منه مؤشر تنفيذ، لكن انخفاض بطالة الشباب وتحسن جودة الوظائف يمثلان نتيجة وأثراً.

وهنا يقع أحد أكبر أخطاء الخطاب السياسي: تحويل المخرجات إلى أدلة نهائية على النجاح.

فعدد المشاريع، في حد ذاته، لا يقيس الأثر. كذلك، لا يشكل حجم الميزانية دليلاً كافياً على تحقق النتائج. أما عدد المستفيدين، فلا يكتسب دلالته الحقيقية إلا عندما نعرف ما الذي تغير فعلياً في أوضاعهم.

والسياسة العامة لا ينبغي أن تُقيّم بما وضعته الدولة داخلها فقط، وإنما بما خرج منها للمجتمع.

3. لكن من نحاسب: الحزب أم الحكومة أم الدولة؟

هذه نقطة منهجية لا يجوز تجاوزها.

لا يمكن علمياً نسبة كل نجاح أو إخفاق في المغرب إلى حزب واحد، حتى عندما يقود الحكومة.

فالسياسات العامة نتاج منظومة مؤسساتية تشمل الحكومة والبرلمان والإدارة والجماعات الترابية والمؤسسات والمقاولات العمومية، فضلاً عن تأثير القضاء الدستوري والمؤسسات الرقابية والظرفية الاقتصادية الدولية والعوامل المناخية والديمغرافية.

لكن هذه الحقيقة لا تلغي المسؤولية السياسية.

فالأحزاب تخوض الانتخابات ببرامج، وتتشكل الأغلبية، ثم تلتزم الحكومة ببرنامج حكومي. والبرنامج الحكومي المغربي 2021-2026 يشكل بالفعل وثيقة معلنة يمكن العودة إليها عند تقييم الاختيارات والالتزامات.[2]

لذلك، ينبغي أن تسير المحاسبة وفق السلسلة التالية:

البرنامج الانتخابي → الالتزام الحكومي → السياسة العامة → التنفيذ → النتيجة → الأثر

وكلما ابتعدنا عن بداية السلسلة، أصبحت العلاقة السببية أكثر تعقيداً، ووجب تجنب الأحكام التبسيطية.

وهذه قاعدة مهمة للإنصاف بين التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة والاستقلال، بوصفها أحزاب الأغلبية الحكومية الحالية، وبين أحزاب المعارضة التي لا تمتلك أدوات التنفيذ نفسها.

فالحكومة تُحاسب على الاختيار والتنفيذ والنتائج؛ بينما ينبغي تقييم المعارضة أساساً على جودة الرقابة والتشريع والبدائل التي تقترحها.

4. التشغيل: حين يتحسن الرقم ولا تختفي المشكلة

يقدم سوق الشغل المغربي اختباراً نموذجياً لهذه المنهجية.

وفق المندوبية السامية للتخطيط، أحدث الاقتصاد الوطني خلال سنة 2025 حوالي 193 ألف منصب شغل، مقابل 82 ألفاً سنة 2024. كما تراجع معدل البطالة من 13.3% إلى 13%.[3]

ولو توقف التقييم عند هذا المستوى، لاستطعنا الحديث عن تحسن واضح. غير أن وظيفة التحليل تبدأ تحديداً عندما ننزل طبقة أخرى في الأرقام.

ففي السنة نفسها، بلغ معدل البطالة لدى الشباب بين 15 و24 سنة 37.2%، مقابل 36.7% سنة 2024، وارتفع لدى النساء من 19.4% إلى 20.5%، بينما بلغ لدى حاملي الشهادات 19.1%.[3]

والأكثر دلالة أن حجم الشغل الناقص ارتفع من 1.082 مليون إلى 1.190 مليون شخص، وانتقل معدله من 10.1% إلى 10.9%.[3]

وبناءً على ذلك، نحن أمام صورة مركبة: فقد تحسن خلق الوظائف، وانخفضت البطالة الإجمالية قليلاً؛ في المقابل، تكشف بطالة الشباب والنساء وارتفاع الشغل الناقص استمرار اختلالات بنيوية.

وهذا بالضبط هو الفرق بين الفعالية الجزئية والأثر الهيكلي.

فالسياسة قد تنجح في تحريك مؤشر دون أن تكون قد عالجت جذور المشكلة.

وتزداد أهمية هذه القراءة أمام تحليلات البنك الدولي التي تؤكد أهمية تحويل النمو الاقتصادي إلى فرص عمل أكثر وأفضل، مع إيلاء أهمية خاصة لإدماج الشباب والنساء والإصلاحات الهيكلية المرتبطة بالاستثمار ودينامية القطاع الخاص وسوق العمل.[4]

إذن السؤال السياسي ليس:

كم وظيفة أُحدثت؟

وإنما:

أي وظائف؟ ولمن؟ وفي أي قطاعات؟ وبأي استقرار وأجر وإنتاجية؟

5. التعليم: المدرسة التي تُفتح ليست بالضرورة المدرسة التي تُعلّم

تكشف السياسة التعليمية الإشكالية نفسها.

خارطة الطريق 2022-2026 وضعت ثلاثة أهداف استراتيجية: تعزيز التحكم في التعلمات الأساسية، وتوسيع الاستفادة من الأنشطة الموازية، وتقليص الهدر المدرسي، من خلال اثني عشر التزاماً موزعة على التلميذ والمدرس والمؤسسة.[5]

كما جاء نموذج المؤسسات الرائدة بمقاربة متعددة الأبعاد تشمل الممارسات البيداغوجية، وتكوين المدرسين، والتقييم الموضوعي للتعلمات، والقيادة والتدبير والظروف المادية، بهدف تحسين جودة التعلمات والرفاه المدرسي وتقليص الهدر.[6]

ولا شك أن هذه هندسة إصلاحية مهمة. غير أن تقييمها وفق منطق النتائج يفرض التمييز بين عدد المدارس المنخرطة في البرنامج ومستوى التعلمات داخل هذه المدارس. فالأول مؤشر تنفيذ، بينما يمثل الثاني مؤشر نتيجة.

أما قدرة طفل من وسط قروي أو هش على اكتساب الكفايات الأساسية، ومواصلة تعليمه وتقليص الفجوة التي تفصله عن طفل أكثر حظاً، فهي أقرب إلى الأثر والإنصاف.

ومن هنا لا ينبغي أن يكون السؤال:

كم مؤسسة أصبحت رائدة؟

بل:

كم تلميذاً أصبح يتعلم أفضل بسبب ذلك؟

وإذا لم نربط الاستثمار بهذا السؤال، يمكن أن يصبح النظام التعليمي أكثر نشاطاً دون أن يصبح بالضرورة أكثر فعالية.

6. الصحة والحماية الاجتماعية: بين امتلاك الحق والقدرة على استعماله

تقدم الحماية الصحية مثالاً أكثر حساسية.

شهد المغرب توسعاً واسعاً في التأمين الإجباري عن المرض AMO ضمن ورش تعميم الحماية الاجتماعية.[7]

ويمثل ذلك نقلة مؤسساتية واجتماعية مهمة لا يصح التقليل من شأنها. ومع ذلك، فإن التغطية ليست مرادفاً تلقائياً للولوج إلى العلاج. لذلك، ينبغي تقييم السياسة الصحية عبر سلسلة مترابطة تبدأ بالحق ولا تنتهي إلا بالأثر الصحي الفعلي:

الحق → التغطية → الولوج → جودة العلاج → النتيجة الصحية

إذا كان المواطن مسجلاً في نظام التأمين لكنه لا يجد الطبيب في الوقت المناسب، أو يقطع مسافة طويلة للحصول على العلاج، أو يتحمل مصاريف مرتفعة، فإن النظام يكون قد تقدم في مرحلة التغطية دون أن يكون قد أكمل بالضرورة مسار الفعالية الصحية.

ولهذا تتجه الإصلاحات أيضاً إلى المجموعات الصحية الترابية وإعادة تنظيم تدبير العرض الصحي على المستوى الجهوي وتقريب الخدمات، إلى جانب تطوير أنظمة المعلومات وتدبير الموارد البشرية.[8]

وعليه، لا يكفي أن نسأل:

كم مواطناً أصبح مغطى؟

بل يجب أن نسأل أيضاً:

كم ينتظر؟ كم يدفع؟ كم يبعد عنه العلاج؟ وما جودة الخدمة التي يتلقاها؟

هنا يتحول الحق من نص ومؤسسة إلى تجربة يومية للمواطن.

7. المعيار المنسي: الاتساق بين السياسات

تضيف منهجية OECD معياراً بالغ الأهمية: Coherence — الاتساق.[1]

وهو من أكثر المعايير ملاءمة لتحليل السياسات العمومية المركبة.

ففي التشغيل، تفقد السياسة جزءاً من فعاليتها إذا لم تنسجم مخرجات التعليم والتكوين مع احتياجات الاقتصاد. أما الاستثمار، فلا يمكن تقييم سياسته بمعزل عن المنافسة والتمويل والجبايات والعقار والتكوين. وفي الصحة، لن تكفي البنية التحتية إذا لم تتطور سياسة الموارد البشرية بالسرعة نفسها. وبالمثل، يصعب معالجة الفوارق المجالية بسياسة اجتماعية إذا كانت سياسات أخرى تعيد إنتاج التفاوت الترابي.

هنا نكتشف أن الحكومة قد تكون فعالة قطاعياً لكنها غير متسقة حكومياً.

وهذا مستوى أعلى من المحاسبة.

فالمواطن لا يعيش داخل «وزارة الصحة» أو «وزارة التعليم» أو «وزارة التشغيل».

إنه يعيش نتيجة تفاعل سياسات الدولة كلها.

8. الكفاءة تبدأ أيضاً داخل الأحزاب

لا ينبغي أن يظل التقييم موجهاً إلى الحكومة وحدها.

فالحزب الذي يطالب الدولة بالكفاءة والشفافية يجب أن يقبل إخضاع تنظيمه وموارده للمبادئ نفسها.

وقد أصدر المجلس الأعلى للحسابات في 27 ماي 2025 تقريره بشأن تدقيق حسابات الأحزاب السياسية برسم سنة 2023 والتحقق من صحة النفقات المصرح بها المتعلقة بالدعم العمومي، في إطار اختصاصاته الدستورية والقانونية.[9]

وهذا يفتح سؤالاً يتجاوز المحاسبة التقنية:

هل الأحزاب نفسها مؤسسات فعالة وكفؤة؟

وهنا تبرز مجموعة من الأسئلة: هل تنتج الأحزاب الخبرة وتمتلك مراكز دراسات حقيقية؟ وهل تقيس تنفيذ برامجها الانتخابية وتنشر مؤشرات أدائها؟ ثم، وهذا أكثر أهمية، هل تخبر الناخب بما لم تستطع إنجازه، لا بما تعتبره نجاحاً فقط؟ وأخيراً، هل يجري اختيار المسؤولين الحزبيين بناءً على قدرتهم على إنتاج السياسات العامة أم وفق منطق التوازنات التنظيمية والانتخابية؟

فلا يمكن أن نطالب بـدولة قائمة على النتائج دون أن نطالب أيضاً بـأحزاب قائمة على النتائج.

9. المعارضة أيضاً أمام الاختبار

ثمة خطأ آخر ينبغي تجنبه: اعتبار التقييم أداة لمحاسبة الأغلبية وحدها.

المعارضة ليست مطالبة بإدارة السياسة التي لا تديرها، لكنها مطالبة بما يتناسب مع موقعها.

فالمعارضة الفعالة ينبغي أن تنتقل من:

«هذه السياسة فاشلة»

إلى:

«هذه السياسة لم تحقق المؤشر X، والسبب Y، وبديلنا Z، وتكلفته المقدرة هي N، ونتوقع أن يحقق النتيجة التالية خلال المدة المحددة.»

هنا فقط تصبح المعارضة حكومة بديلة محتملة لا مجرد صوت احتجاجي.

فكما لا ينبغي للحكومة تحويل كل نشاط إلى إنجاز، لا ينبغي للمعارضة تحويل كل نقص إلى كارثة.

الديمقراطية الناضجة تبدأ عندما تتفق الأغلبية والمعارضة على الوقائع، ثم تختلفان حول تفسيرها والبدائل الممكنة.

10. مؤشر المسافة بين الوعد والأثر

ولجعل التقييم قابلاً للتطبيق، تقترح هذه الدراسة اعتماد «مؤشر المسافة بين الوعد والأثر» كأداة تحليلية مقترحة، لا كمؤشر إحصائي رسمي أو معيار دولي معتمد.

ويقوم على سبع درجات:

① الوعد: ماذا قال الحزب للناخب؟

② الالتزام: ماذا دخل فعلياً إلى البرنامج الحكومي؟

③ القرار: ما القوانين والبرامج والميزانيات التي اعتُمدت؟

④ التنفيذ: ما الذي نُفذ فعلياً؟

⑤ المخرجات: كم مدرسة أو مستشفى أو وظيفة أو مستفيداً تحقق؟

⑥ النتائج: هل تغير المؤشر الذي استهدفته السياسة؟

⑦ الأثر: هل أحدث ذلك تغييراً مستداماً وعادلاً في حياة المواطنين؟

كلما توقف المسار في مرحلة مبكرة، اتسعت المسافة بين الوعد والأثر.

وهذا النموذج يسمح بتجاوز الثنائية السطحية:

«الحكومة نجحت» / «الحكومة فشلت».

فالسياسة قد تنجح في التنفيذ وتتعثر في النتائج.

وقد تحقق نتائج قصيرة المدى دون استدامة.

وقد تحقق المتوسط الوطني المطلوب، بينما تتسع الفوارق الاجتماعية أو المجالية.

وهنا تصبح المحاسبة أكثر عدلاً ودقة.

11. مصفوفة مرجعية لتقييم الأداء الحزبي والسياسات العمومية

يمكن تحويل هذا التصور إلى بطاقة تقييم دورية:

المعيار

السؤال المركزي

الملاءمة Relevance

هل اختيرت المشكلة الصحيحة؟

الاتساق Coherence

هل تنسجم السياسة مع السياسات الأخرى؟

الفعالية Effectiveness

هل تحققت الأهداف؟

الكفاءة Efficiency

هل استُعمل المال والوقت والموارد بأفضل صورة ممكنة؟

الأثر Impact

ماذا تغير فعلياً؟

الإنصاف Equity

من استفاد ومن بقي خلف الركب؟

الاستدامة Sustainability

هل ستستمر النتائج؟

المساءلة Accountability

هل توجد بيانات مستقلة تسمح بالتحقق؟

وبدلاً من إصدار أحكام سياسية جاهزة، يمكن إعطاء كل سياسة نقطة موثقة لكل معيار، مع شرح مصدر البيانات وحدود العلاقة السببية.

عندئذ يمكن أن يصبح النقاش الانتخابي المغربي مختلفاً جذرياً.

12. نحو «ديمقراطية الأداء»

المشكلة التي تواجه الأحزاب المغربية ليست غياب البرامج وحده، وإنما الحاجة إلى الانتقال من الحزب الانتخابي إلى حزب السياسات العامة.

الحزب الحديث يحتاج إلى خبراء اقتصاد وقانون وإحصاء وتعليم وصحة وماء وطاقة وتحول رقمي وذكاء اصطناعي ومالية عامة.

ويحتاج إلى وحدات دائمة لتقييم السياسات، لا لجان تُستدعى قبيل الانتخابات لكتابة البرنامج.

والأهم أن البرنامج الانتخابي نفسه يجب أن يتغير.

بدلاً من:

«سنحسن التشغيل.»

ينبغي أن يقول:

ما المؤشر المستهدف؟ ما قيمته المرجعية؟ ما القيمة التي نريد بلوغها؟ متى؟ بأي موارد؟ وكيف سيقيس طرف مستقل النتيجة؟

عندها يتحول البرنامج من وثيقة إقناع انتخابي إلى عقد سياسي قابل للمحاسبة.

حين تصبح الأرقام لغة الديمقراطية

المواطن لا يعيش داخل البلاغات الحكومية ولا البرامج الانتخابية.

إنه يعيش أثرها.

ففي الصحة، لا يقيس المواطن السياسة بعدد الاجتماعات، بل بعدد الأيام التي ينتظرها للحصول على موعد. وفي التشغيل، لا تعنيه كثرة الاتفاقيات بقدر ما تعنيه قدرة ابنه أو ابنته على العثور على عمل كريم. أما في التعليم، فالمعيار ليس عدد المدارس المنخرطة في الإصلاح، وإنما ما يتعلمه طفله داخل القسم. وعلى المستوى الاجتماعي، لا تكمن القيمة في حجم الميزانية وحده، بل في مقدار الحماية التي تمنحها للمواطن عندما يصبح في حاجة إليها.

لهذا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يواجه كل حزب مغربي، سواء كان في الأغلبية أو المعارضة، لم يعد فقط:

ماذا وعدتم؟

ولا حتى:

ماذا أنجزتم؟

بل:

ماذا تغير؟

وعند هذه النقطة تحديداً يلتقي مفهوما الفعالية والكفاءة بروح الديمقراطية.

فالفعالية تقول: اختر الهدف الصحيح وحققه.

والكفاءة تقول: حققه بأفضل استخدام ممكن لموارد المجتمع.

والاتساق يقول: لا تجعل سياسة تهدم ما تبنيه أخرى.

والإنصاف يسأل: هل وصل النجاح إلى الجميع؟

والأثر يسأل: هل تغيرت حياة الناس؟

والاستدامة تسأل السؤال الأخير:

هل سيبقى هذا التغيير؟

عندما تصبح هذه الأسئلة أساس المنافسة بين الأحزاب، لن يكون الفائز بالضرورة من يَعِد أكثر، ولا من يتحدث أكثر، ولا حتى من ينفق أكثر.

سيكون الفائز من يستطيع أن يبرهن، بأرقام قابلة للتحقق، أنه حوّل الموارد إلى نتائج، والنتائج إلى أثر، والأثر إلى ثقة.

وهنا ينتقل المغرب من ديمقراطية الوعود إلى ديمقراطية الأداء؛ ومن محاسبة السياسي على بلاغة خطابه إلى محاسبته على المسافة الفاصلة بين ما قاله، وما فعله، وما تغيّر فعلاً بسببه.

المراجع والمصادر

[1] منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية OECD، Evaluation Criteria وApplying Evaluation Criteria Thoughtfully. يعتمد الإطار ستة معايير: الملاءمة، الاتساق، الفعالية، الكفاءة، الأثر والاستدامة، مع إدماج قضايا الإنصاف ضمن عملية التقييم.

[2] المملكة المغربية، البرنامج الحكومي 2021-2026، الوثيقة المرجعية للالتزامات الحكومية خلال الولاية الحالية.

[3] المندوبية السامية للتخطيط HCP، النشاط والتشغيل والبطالة – النتائج السنوية لسنة 2025، المعطيات المتعلقة بإحداث مناصب الشغل والبطالة والشغل الناقص.

[4] البنك الدولي، تحليلات الاقتصاد المغربي وسوق العمل، ولا سيما العلاقة بين النمو الاقتصادي وخلق فرص الشغل وإدماج الشباب والنساء.

[5] وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، خارطة الطريق 2022-2026، الأهداف الاستراتيجية والالتزامات المرتبطة بالتلميذ والمدرس والمؤسسة.

[6] وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، برنامج المؤسسات الرائدة، معايير الجودة وتحسين التعلمات والحد من الهدر المدرسي.

[7] المملكة المغربية، الوثائق والمعطيات الرسمية المتعلقة بتعميم الحماية الاجتماعية والتأمين الإجباري عن المرض AMO.

[8] المملكة المغربية ووزارة الصحة والحماية الاجتماعية، الوثائق الرسمية المتعلقة بإصلاح المنظومة الصحية والمجموعات الصحية الترابية.

[9] المجلس الأعلى للحسابات، التقرير المتعلق بتدقيق حسابات الأحزاب السياسية برسم سنة 2023، منشور بتاريخ 27 ماي 2025.

اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع الدائرة نيوز _ Dairanews لمعرفة جديد الاخبار