المكتب الوطني للسكك الحديدية… عندما يصبح احترام المسافر آخر الأولويات
ليست المشكلة في أن يتأخر قطار، ولا في أن يمتلئ عن آخره في أوقات الذروة، فكل منظومة نقل في العالم قد تواجه ظروفًا استثنائية. لكن المشكلة الحقيقية تبدأ عندما تتحول الأخطاء إلى أمر مألوف، ويصبح المسافر هو من يدفع ثمن سوء التدبير، دون تفسير أو اعتذار أو تعويض.
هذا ما عشته اليوم مع المكتب الوطني للسكك الحديدية، في تجربة تختصر واقعًا يعيشه آلاف المغاربة بشكل متكرر.
حجزت تذكرة بشكل قانوني، تحمل رقم العربة 29 ورقم المقعد المخصص لي. لكن عند وصول القطار، كانت المفاجأة صادمة: العربة رقم 29 غير موجودة أصلًا. ترقيم العربات ينتهي عند الرقم 28، وكأن نظام الحجز يعيش في عالم، والقطار الذي يسير على السكة يعيش في عالم آخر.

في البداية ظننت أن الأمر يتعلق بخطأ فردي، لكن سرعان ما اكتشفت أنني لست الوحيد. عشرات المسافرين كانوا يحملون التذاكر نفسها، جميعهم يبحثون عن العربة 29 التي لا وجود لها. انتهى الأمر بالجميع واقفين وسط ممرات مكتظة، بعدما دفعوا ثمن مقاعد لم يجلس عليها أحد، لأنها ببساطة موجودة فقط في نظام الحجز، لا في القطار الحقيقي.

أي استخفاف هذا بحقوق المسافرين؟ وكيف يسمح نظام معلوماتي ببيع عشرات المقاعد داخل عربة غير موجودة؟ وأين المراقبة؟ وأين المسؤولية؟ وهل يُعقل أن يكتشف الركاب هذا الخلل بعد انطلاق الرحلة، لا قبلها؟
وكأن ذلك لم يكن كافيًا، فقد تأخر القطار بأكثر من خمس عشرة دقيقة عن موعده. قد يرى البعض أن ربع ساعة لا تستحق كل هذا الاستياء، لكن بالنسبة لمن لديه موعد عمل، أو امتحان، أو التزام مهني، فإن كل دقيقة لها ثمن. ثم إن الإشكال لا يتعلق بهذه الرحلة وحدها، بل بظاهرة أصبحت تتكرر، حتى بات كثير من المسافرين يضيفون في حساباتهم هامشًا زمنيًا تحسبًا لتأخر القطار، وكأن عدم احترام المواعيد أصبح جزءًا من الخدمة.

لقد استثمر المغرب مليارات الدراهم في تحديث قطاع السكك الحديدية، وهو أمر يستحق التقدير، لكن قيمة الاستثمار لا تُقاس فقط بالمحطات الحديثة أو القطارات الجديدة، بل أيضًا بجودة الخدمة اليومية، واحترام المواطن الذي يؤدي ثمن التذكرة مقابل حق واضح: مقعد محجوز، ورحلة منظمة، ووصول في الموعد المعلن.
إن كسب ثقة المواطنين لا يتحقق بالحملات الإشهارية والشعارات، وإنما بالشفافية وتحمل المسؤولية. وعندما يقع خلل بهذا الحجم، فإن أقل ما ينتظره المسافر هو توضيح رسمي، واعتذار صريح، وتعويض من تضرروا، مع محاسبة المسؤول عن هذا الخطأ حتى لا يتكرر.
يبقى السؤال الذي ينتظر آلاف المسافرين جوابًا عنه: كيف يمكن لمؤسسة عمومية مكلفة بخدمة ملايين المواطنين أن تبيع تذاكر لمقاعد داخل عربة غير موجودة، ثم تترك أصحابها واقفين في الممرات وكأن الأمر لا يعني أحدًا؟
إن احترام المواطن لا يبدأ من المشاريع الكبرى، بل من الوفاء بأبسط الالتزامات. فالتذكرة ليست مجرد ورقة، بل عقد بين المؤسسة والمسافر، وأول بنود هذا العقد أن يجد الراكب العربة التي كُتبت على تذكرته، والمقعد الذي دفع ثمنه، لا أن يجد نفسه ضحية خطأ لم يرتكبه.
اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع الدائرة نيوز _ Dairanews لمعرفة جديد الاخبار