بنكيران بعد الاقتراع: معارضةٌ بـ54 مقعداً… وطعونٌ تنتظر كلمة القضاء
عاد العدالة والتنمية إلى البرلمان بقوة عددية لافتة، لكن خطاب أمينه العام يوم 26 أكتوبر يطرح سؤالاً يتجاوز الأرقام: هل يبني الحزب معارضةً تحتكم إلى القضاء والرقابة، أم يُبقي التشكيك في النتائج ورقةً خطابية مفتوحة؟
قبل خمس سنوات بدا العدالة والتنمية حزباً على هامش البرلمان. اليوم عاد إلى مجلس النواب بـ54 مقعداً، مقابل 13 فقط في 2021. غير أن هذه العودة لم تُغلق الجدل حول الاقتراع، بل أعادت فتحه من بوابة أمينه العام عبد الإله بنكيران. وجاء ذلك في توقيت دقيق: غداة انتهاء أجل الطعون الانتخابية، وبعد أيام من مصادقة مجلس النواب على البرنامج الحكومي.
ما تقوله الأرقام الرسمية
تصدّر الأصالة والمعاصرة النتائج بـ97 مقعداً، يليه التجمع الوطني للأحرار بـ66، ثم الاستقلال بـ65، فالعدالة والتنمية بـ54، من أصل 395 مقعداً. وأكد وزير الداخلية أن النتائج النهائية، التي أعلنتها لجان إحصاء يرأسها قضاة، جاءت مطابقة تماماً للنتائج المؤقتة، وأن نظيراً من المحاضر أُودع لدى المحكمة الدستورية.
عاد الحزب إذن دون أن يسترجع حجمه في 2016، حين بلغ 125 مقعداً. وفي قراءة غداة الاقتراع، رأى أستاذ العلوم السياسية عبد الحميد بنخطاب أن هذه العودة قد تفرز معارضة أكثر هجومية، لكن التوازنات البرلمانية تظل لصالح الأغلبية. ويبقى معطى حاسم: لم تتجاوز المشاركة نحو 38% من المسجلين، أي أن جميع الأحزاب، الفائزة والعائدة، تتحدث باسم أقلية منهم.
خطاب 26 أكتوبر: تصعيد له سياق
أمام فريقه النيابي، قال بنكيران إن حزبه كان دائماً يحصل على مقاعد أكثر مما يُمنح له، في تشكيك ضمني في النتائج. لكنه أكد في الكلمة ذاتها قبوله بـ«الديمقراطية المغربية».
ولم يأتِ التصعيد من فراغ. ففي 22 أكتوبر، خلال مناقشة البرنامج الحكومي، ردّت رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري على اتهامات وجّهها فريق العدالة والتنمية لحزبها بصلته بتجارة المخدرات، بحسب ما نقلته تقارير صحفية عن الجلسة. وقالت إنها ترفض النزول بالنقاش البرلماني إلى المزايدات، واستحضرت واقعة توقيف شخص محسوب على الطرف الآخر في آسفي في قضية مرتبطة بالمخدرات. ونفى فرع الأصالة والمعاصرة في آسفي لاحقاً أن تكون المنصوري وصفت المدينة بـ«مدينة المخدرات»، موضحاً أن كلامها خصّ عضواً في حزب آخر.
في ردّه يوم 26 أكتوبر، نفى بنكيران علمه أصلاً باعتقال شخص محسوب على حزبه في آسفي، ورفض توظيف الواقعة لاتهام الحزب. ثم تحدّى خصومه أن يُظهروا قيادياً واحداً من حزبه مسجوناً بهذه التهمة. واستحضر في المقابل تبنّي الأصالة والمعاصرة لملف تقنين القنب الهندي، وهو قانون صوّت فريق العدالة والتنمية ضده في لجنة الداخلية سنة 2021. وعاتب كذلك وزير الاقتصاد والمالية فوزي لقجع على انخراطه في الرد على الأحزاب. وحتى صباح 27 أكتوبر، لم يصدر رد علني من قيادة الأصالة والمعاصرة أو من الوزير لقجع على تصريحات الاثنين.
بين الادعاء والإثبات: الكلمة للقضاء الدستوري
يكمن جوهر المسألة في التمييز بين موقف سياسي وواقعة ثابتة. فغداة الاقتراع، اعتبر بنكيران أن فوز الأصالة والمعاصرة شابه تزوير للصناديق في طنجة، وربما في دوائر أخرى أو جميعها. ثم تراجعت النبرة إلى «فزنا بأكثر» مع إعلان القبول بالنتائج.
أما مؤسساتياً، فقد سلك الحزب الطريق القانوني، لكن بنطاق أضيق من خطابه. فقد اعتبرت أمانته العامة أن إلغاء العتبة وطريقة احتساب القاسم الانتخابي حرمتاه من مقاعد، وأعلنت نيتها اللجوء إلى القضاء. وتُظهر المعطيات المنشورة أن الحزب ومرشحيه طعنوا في ثلاث دوائر على الأقل:
- مديونة: أوضح الحزب أن الطعن جاء بعد دراسة الملف والتشاور مع خبراء في القانون، مؤكداً احترامه للمؤسسات.
- الدريوش.
- طنجة-أصيلة: يستهدف الطعن المقعد الذي فاز به مرشح الأصالة والمعاصرة.
ولوضع ذلك في سياقه: بلغ مجموع الطعون المودعة لدى المحكمة الدستورية 71 طعناً حتى 20 أكتوبر، مقابل 62 عريضة بعد اقتراع 2021. ويمنح القانون التنظيمي للمحكمة أجل سنة للبت فيها، قابلاً للتمديد بقرار معلَّل.
الخلاصة الصحفية واضحة: يطعن الحزب في دوائر محددة، بينما يوحي خطاب أمينه العام بخلل أوسع. وإلى أن تبت المحكمة، تبقى ادعاءات التزوير اتهامات منسوبة إلى أصحابها، لا وقائع ثابتة.
وللمفارقة، يتعارض هذا الخطاب مع نبرة بنكيران نفسه قبل شهر. فأمام المجلس الوطني، أقرّ بأن الحزب كان «قاب قوسين أو أدنى من الزوال»، ودعا أعضاءه إلى عدم الإكثار من الشكوى وإلى مراجعة أخطائهم.
أي معارضة؟
قرر المجلس الوطني للحزب بالإجماع البقاء في المعارضة. ومنذ تنصيب حكومة المنصوري في 16 أكتوبر، انتقل الحزب من موقع المتفرج على المشاورات إلى موقع الرقيب على حكومة قائمة.
وتتباين القراءات في تفسير عودته:
- من داخل الأغلبية: يُرجعها القيادي في حزب الاستقلال، أحد مكونات الأغلبية، لحسن حداد، إلى التصويت العقابي وتماسك النواة الصلبة للحزب وعودة بنكيران.
- قراءة ثانية: ترى أن الحزب استفاد من حملة هجومية ومن قدرته على التعبئة في المدن.
- قراءة نقدية: في تعليق نشرته «الأحداث المغربية» صباح اليوم، اعتُبر أن رهان الحزب لا يُحسم بالتشكيك في النتائج، بل بتحويل حضوره إلى مشروع متماسك يتجاوز كاريزما زعيمه.
أعلنت الأمانة العامة عزمها ممارسة معارضة وطنية مسؤولة وقوية. وسيُختبر هذا الشعار بثلاثة مؤشرات:
- جودة الرقابة: هل تستند الأسئلة إلى معطيات موثقة أم إلى مواقف عامة؟
- قانون المالية الأول: تعديلات مرقّمة وبدائل ممولة، أم رفض مبدئي؟
- قرارات المحكمة الدستورية: وهي التي ستفصل بين الحجة والخطاب.
يملك العدالة والتنمية اليوم ما افتقده منذ 2021: كتلة برلمانية تُسمع صوتها. لكن المقاعد تمنح منبراً، لا مصداقية تلقائية. وقد اختار الحزب في دوائر بعينها الطريق السليم، أي عرائض موثقة أمام القضاء الدستوري. أما التعميم الخطابي، فقد يحشد القواعد، لكنه لا يقنع بالضرورة أكثر من 60% من المسجلين الذين لم يتوجهوا إلى صناديق الاقتراع.
المصادر:
- maroc.ma – النتائج النهائية
- maroc.ma – تعيين الحكومة
- هسبريس – خطاب 26 أكتوبر
- هسبريس – تصريحات 24 سبتمبر
- إعلام تيفي – رد المنصوري
- Maroc4 – سجال المخدرات
- مملكة بريس – توضيح البام بآسفي
- لوسيت أنفو – رد بنكيران
- غود – رد بنكيران
- العمق – تصويت الفريق ضد قانون القنب الهندي
- ميدي 24
- نيشان
- مملكة بريس – طعن مديونة
- Maroc4 – طعون الدريوش
- شمال بريس – طنجة-أصيلة
- Le12 – 71 طعناً
- Le12 – طعون 2021
- الأحداث المغربية
- Hespress FR – Benkhattab
- Hespress FR – recours annoncés
- Hespress FR – mobilisation urbaine
- Hespress FR – opposition
- Le360 – Haddad
- TelQuel – Conseil national
- عربي21
- APA News
- EcoActu
اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع الدائرة نيوز _ Dairanews لمعرفة جديد الاخبار