الأحزاب المغربية تحت المجهر

حزب الأصالة والمعاصرة: مشروع “الحداثة السياسية” بين هندسة التوازنات وأزمة الشرعية المجتمعية

الأحزاب المغربية تحت المجهر

تقدّم سلسلة “الأحزاب المغربية تحت المجهر” التي تطلقها DairaNews قراءة تحليلية للمشهد الحزبي المغربي، بعيدًا عن أي انحياز أو تفضيل.

يعتمد ترتيب الأحزاب على معايير موضوعية تشمل الوزن السياسي، الحضور البرلماني، والتنوّع الإيديولوجي، بهدف تعميق الفهم وإحياء النقاش حول مستقبل العمل الحزبي في المغرب.

المقال 6: حزب الأصالة والمعاصرة: مشروع “الحداثة السياسية” بين هندسة التوازنات وأزمة الشرعية المجتمعية.
منذ ظهوره المفاجئ سنة 2008، لم يكن حزب الأصالة والمعاصرة مجرد حزب سياسي جديد داخل المشهد المغربي، بل تحول بسرعة إلى واحد من أكثر التنظيمات إثارةً للجدل والاستقطاب في تاريخ المغرب المعاصر.

ففي ظرف زمني قصير، انتقل الحزب من تنظيم ناشئ إلى قوة انتخابية كبرى تنافس على قيادة الدولة، مستفيدًا من شبكة واسعة من المنتخبين والأعيان، ومن خطاب سياسي يقوم على “الحداثة” و”مواجهة الإسلام السياسي”.

لكن هذا الصعود السريع خلق في المقابل صورة معقدة للحزب داخل الوعي السياسي المغربي.

فخصومه رأوا فيه “حزب السلطة” الذي ظهر لإعادة هندسة التوازنات السياسية والحد من صعود العدالة والتنمية، بينما اعتبره أنصاره محاولة لبناء تيار حداثي قوي قادر على مواجهة الشعبوية الدينية والمحافظة السياسية.

وخلال أكثر من عقد، عاش الحزب تحولات حادة:

  • صعودًا انتخابيًا سريعًا؛
  • وصراعات داخلية معقدة؛
  • ومواجهة مفتوحة مع الإسلاميين؛
  • ثم عودة إلى قلب السلطة ضمن حكومة 2021.

ومع ذلك، لم ينجح الحزب بالكامل في التخلص من سؤال رافقه منذ لحظة التأسيس:

هل يمثل الأصالة والمعاصرة مشروعًا سياسيًا حداثيًا طويل النفس، أم يمثل قبل كل شيء أداة لإدارة التوازنات داخل الحقل السياسي المغربي؟

هذا السؤال تحديدًا هو الذي يفسر حجم الجدل الذي يرافق الحزب منذ تأسيسه حتى اليوم.

1. الهوية التاريخية والنشأة السياسية

تأسس حزب الأصالة والمعاصرة سنة 2008 بمبادرة من Fouad Ali El Himma، في سياق سياسي اتسم بصعود حزب العدالة والتنمية وتزايد المخاوف لدى جزء من النخب من تنامي نفوذ الإسلام السياسي داخل المؤسسات.

وجاء تأسيس الحزب عبر اندماج عدة أحزاب صغيرة وشبكات من المنتخبين المحليين والأعيان، مع تقديم مشروع سياسي يقوم على:

  • الحداثة؛
  • والديمقراطية المحلية؛
  • وتحديث الدولة؛
  • ومواجهة التوظيف السياسي للدين.

ومنذ البداية، ارتبط الحزب بصورة “حزب الدولة” بسبب قرب مؤسسه من دوائر القرار، وهو ما فتح نقاشًا واسعًا حول طبيعة العلاقة بين السلطة والعمل الحزبي في المغرب.

لكن الحزب حاول في المقابل تقديم نفسه كتيار حداثي يدافع عن:

  • الدولة المدنية؛
  • وحقوق النساء؛
  • والحريات الفردية؛
  • والتنمية الترابية.

غير أن مفهوم “الحداثة” الذي رفعه الحزب ظل بدوره موضوع جدل واسع.

فبالنسبة لأنصاره، تعني الحداثة:

  • تعزيز المؤسسات؛
  • وفصل الدين عن التوظيف السياسي؛
  • والانفتاح الاجتماعي والثقافي.

أما منتقدوه، فاعتبروا أن الحزب قدم أحيانًا “حداثة سلطوية” ترتبط بإعادة ضبط المجال السياسي أكثر من ارتباطها بإنتاج مشروع مجتمعي ديمقراطي متكامل.

تحليل:

الأصالة والمعاصرة لم يظهر كامتداد طبيعي لمسار نضالي أو فكري طويل، بل ظهر كمشروع لإعادة تشكيل التوازن السياسي داخل المغرب في مرحلة حساسة.

ولهذا السبب، ظل الحزب يعيش منذ تأسيسه توترًا دائمًا بين صورتين:

  • صورة “الحزب الحداثي”؛
  • وصورة “حزب النفوذ والتوازنات”.

ولأن هذا التناقض رافق الحزب منذ البداية، فقد تحول تدريجيًا من مجرد مشكلة تواصلية إلى معضلة سياسية وهووية حقيقية.

بل إن جزءًا مهمًا من النقاش العمومي حول الحزب لم ينصب على برامجه فقط، بل على “سبب وجوده” داخل المشهد السياسي المغربي.

ومن هنا تحديدًا اكتسب الحزب طابعه الاستثنائي مقارنة بباقي الأحزاب المغربية.

2. البنية التنظيمية والثقافة الداخلية

يتوفر الحزب على بنية تنظيمية قوية نسبيًا تقوم على:
▪︎ شبكة واسعة من المنتخبين المحليين؛
▪︎ وحضور قوي داخل الجماعات والجهات؛
▪︎ واستقطاب الأعيان والكفاءات؛
▪︎ وتنظيمات موازية للشباب والنساء؛
▪︎ وقدرة انتخابية ولوجستية كبيرة.

كما استفاد الحزب منذ تأسيسه من سرعة التوسع التنظيمي، حيث تمكن خلال سنوات قليلة من بناء نفوذ محلي وجهوي واسع.

غير أن هذا التوسع السريع جعل وحدة الحزب التنظيمية أضعف من سرعته الانتخابية.

فالحزب يضم:

  • يساريين سابقين؛
  • وتكنوقراط؛
  • وأعيانًا؛
  • ومنتخبين محليين؛
  • وشخصيات ذات مرجعيات متباينة.

ولهذا السبب، ظل الانسجام الفكري والتنظيمي تحديًا دائمًا داخل بنيته.

وقد ظهرت هذه التوترات بوضوح خلال مرحلة قيادة Ilyas El Omari، خصوصًا بعد انتخابات 2016 وما رافقها من استقطاب سياسي حاد وأزمة “البلوكاج الحكومي”، التي انتهت بإعفاء عبد الإله بنكيران وتشكيل حكومة جديدة بقيادة سعد الدين العثماني.

كما شهد الحزب لاحقًا صراعات داخلية واستقالات أثرت بشكل مباشر على تماسكه التنظيمي وصورته السياسية.

تحليل تنظيمي:

نجح الحزب في بناء قوة انتخابية سريعة وفعالة، لكنه واجه في المقابل صعوبة في بناء “ثقافة حزبية موحدة”.

فالتوسع القائم على الاستقطاب الواسع يمنح قوة عددية وانتخابية، لكنه يخلق أيضًا هشاشة داخلية، لأن الولاءات تصبح أحيانًا مرتبطة بالنفوذ والمصالح أكثر من ارتباطها بالهوية الفكرية المشتركة.

ولهذا عاش الحزب دورات متكررة من الصعود التنظيمي ثم التوتر الداخلي.

كما أن الحزب، رغم قوته الانتخابية، لم ينجح دائمًا في إنتاج نخب سياسية تمتلك خطابًا موحدًا ورؤية متماسكة تجاه القضايا الكبرى.

3. المرجعية الفكرية والبرنامج السياسي

يقدم الحزب نفسه كتيار حداثي ديمقراطي يقوم على:
▪︎ الدفاع عن الدولة المدنية؛
▪︎ وتعزيز الحريات الفردية؛
▪︎ ودعم حقوق النساء؛
▪︎ وتحديث الإدارة؛
▪︎ والتنمية المجالية؛
▪︎ وتقوية العدالة الاجتماعية.

كما ركز الحزب خلال السنوات الأخيرة على ملفات:

  • الحماية الاجتماعية؛
  • وتقليص الفوارق المجالية؛
  • والاستثمار؛
  • وتشجيع التنمية المحلية.

لكن رغم هذا الخطاب، يواجه الحزب صعوبة في ترسيخ مرجعية فكرية واضحة داخل الوعي الشعبي، لأن صورته السياسية ارتبطت لفترة طويلة بالصراع مع الإسلاميين وبمنطق التوازنات السياسية أكثر من ارتباطها بمشروع فكري متكامل.

كما أن مفهوم “الحداثة” داخل الحزب بقي في كثير من الأحيان مفهومًا سياسيًا عامًا أكثر منه رؤية فلسفية واجتماعية دقيقة المعالم.

تحليل فكري:

المفارقة الكبرى أن الحزب رفع شعار “الحداثة السياسية”، لكنه لم ينجح بالكامل في تحويل الحداثة إلى سردية مجتمعية واضحة ومقنعة لشرائح واسعة من المغاربة.

ففي أحيان كثيرة، بدا الحزب أقرب إلى مشروع لإدارة التوازنات السياسية ومواجهة الإسلاميين، أكثر من كونه حاملًا لرؤية متكاملة حول:

  • الاقتصاد؛
  • والثقافة؛
  • والتعليم؛
  • والحريات.

ولهذا السبب، ظل جزء من حضوره السياسي مرتبطًا بخصومه أكثر من ارتباطه بمشروعه الذاتي.

كما أن الحزب لم يحسم بشكل نهائي طبيعة الحداثة التي يدافع عنها:

  • هل هي حداثة مؤسساتية؟
  • أم حداثة ثقافية؟
  • أم حداثة سياسية مرتبطة بإدارة الدولة؟

وهذا الغموض منح الحزب مرونة سياسية واسعة، لكنه حدّ في المقابل من وضوح هويته الفكرية لدى الرأي العام.

4. الحضور الانتخابي والسياسي

عرف الحزب منذ تأسيسه صعودًا انتخابيًا سريعًا:

▪︎ 2009: تصدر الانتخابات الجماعية بعد أقل من سنة على تأسيسه.

▪︎ 2011: أصبح القوة المعارضة الرئيسية بعد فوز العدالة والتنمية.

▪︎ 2015 – 2016: توسع نفوذه المحلي والجهوي بشكل كبير.

▪︎ 2016: دخل في مواجهة سياسية حادة مع العدالة والتنمية خلال مرحلة “البلوكاج”.

▪︎ 2021: حل ثانيًا في الانتخابات التشريعية وشارك في تشكيل الحكومة.

وخلال مرحلة ما بعد 2011، تحول الحزب إلى القطب السياسي الرئيسي في مواجهة العدالة والتنمية، ودخل الطرفان في واحدة من أكثر مراحل الاستقطاب السياسي حدة في المغرب الحديث.

كما لعبت رمزية “الجرار” — رمز الحزب الانتخابي — دورًا كبيرًا في بناء هويته السياسية والإعلامية، حيث تحول الشعار إلى رمز للصراع بين مشروعين متنافسين:

  • مشروع “الحداثة”؛
  • ومشروع “الإسلام السياسي”.

تحليل سياسي:

الأصالة والمعاصرة لعب دورًا محوريًا في إعادة تشكيل الخريطة السياسية المغربية، لأنه نقل جزءًا كبيرًا من الصراع السياسي من الانقسام التقليدي بين اليمين واليسار إلى انقسام جديد بين:

  • “الحداثة”؛
  • و”الإسلام السياسي”.

لكن هذا التموضع جعل الحزب مرتبطًا بشكل كبير بمعاركه مع خصومه، خصوصًا العدالة والتنمية، إلى درجة أن جزءًا من هويته السياسية تشكل عبر “مواجهة الآخر” أكثر من بناء مشروع مستقل بذاته.

تفسير أعمق:

استفاد الحزب من خوف جزء من النخب من صعود الإسلاميين، لكنه دفع في المقابل ثمن ارتباطه بصورة الحزب الذي وُجد أساسًا لضبط التوازن السياسي.

ومع تراجع الاستقطاب الإيديولوجي بعد 2021، وجد نفسه أمام ضرورة إعادة تعريف دوره السياسي بعيدًا عن منطق “الحزب المضاد”.

كما أن انتقاله من موقع المواجهة إلى موقع المشاركة الحكومية فرض عليه تحديًا جديدًا يتمثل في الانتقال من “سياسة الصراع” إلى “سياسة التدبير”.

5. الصورة الإعلامية والاتصال السياسي

منذ تأسيسه، أدرك الحزب أهمية الصورة الإعلامية في بناء النفوذ السياسي.

ولهذا اعتمد على:

  • حضور إعلامي قوي؛
  • وخطاب حداثي مباشر؛
  • وشخصيات ذات حضور تلفزيوني وسياسي؛
  • وتسويق صورة الحزب كرمز للتجديد السياسي.

كما استفاد من الاستقطاب الحاد مع العدالة والتنمية، حيث تحولت المواجهة السياسية بين الطرفين إلى معركة إعلامية ورقمية مفتوحة لسنوات.

وشكل رمز “الجرار” عنصرًا تواصليًا بالغ القوة، لأنه منح الحزب هوية بصرية سهلة الانتشار داخل المجال السياسي والإعلامي المغربي.

لكن الحزب واجه أيضًا أزمات تواصلية متكررة، خصوصًا خلال فترات الصراعات الداخلية والانقسامات التنظيمية، وهو ما أثر على صورته لدى جزء من الرأي العام.

تحليل تواصلي:

الأصالة والمعاصرة نجح في فرض حضوره داخل الإعلام والسياسة بسرعة كبيرة، لكنه ظل يعاني من أزمة “الشرعية الرمزية”.

فالحزب يمتلك قوة تنظيمية وانتخابية واضحة، لكنه لم ينجح دائمًا في بناء رابط عاطفي وشعبي مستقر مع فئات واسعة من المواطنين.

ولهذا بقي حضوره قويًا داخل المؤسسات، لكنه أقل رسوخًا داخل المخيال الشعبي مقارنة بأحزاب تمتلك تاريخًا نضاليًا أو مرجعية فكرية واضحة.

كما أن الحزب، رغم نجاحه في صناعة صورة القوة والحداثة، لم ينجح بالقدر نفسه في صناعة صورة “القرب الشعبي”، وهي نقطة ما تزال تؤثر على حضوره الرمزي داخل المجتمع.

6. التحديات الراهنة والرهانات المستقبلية

  1. بناء هوية سياسية واضحة تتجاوز صورة “حزب التوازنات”.
  2. الحفاظ على الانسجام الداخلي وسط تعدد المرجعيات والمصالح.
  3. تحويل خطاب الحداثة إلى مشروع مجتمعي ملموس وقريب من المواطن.
  4. التوفيق بين المشاركة في السلطة والحفاظ على استقلالية الصورة السياسية.
  5. استعادة الثقة لدى جزء من الناخبين الذين يرون الحزب مرتبطًا بالنخب أكثر من المجتمع.

تحليل استراتيجي:

الحزب يواجه اليوم تحديًا وجوديًا يتمثل في الانتقال من “حزب القوة الانتخابية” إلى “حزب المشروع السياسي”.

فالنفوذ داخل المؤسسات لا يكفي وحده لبناء شرعية طويلة المدى، خصوصًا في مجتمع أصبح أكثر وعيًا وأكثر حساسية تجاه صورة الأحزاب والنخب.

ولهذا فإن مستقبل الحزب سيتحدد بمدى قدرته على الإجابة عن سؤال مركزي:

هل يستطيع التحول إلى تيار حداثي مؤسساتي يمتلك عمقًا فكريًا وشعبيًا حقيقيًا،

أم سيظل مرتبطًا بصورة الحزب الذي صنعته التوازنات السياسية أكثر مما صنعته التحولات المجتمعية؟

والأهم من ذلك أن الحزب لم يعد مطالبًا فقط بإثبات قوته الانتخابية، بل أصبح مطالبًا أيضًا بإثبات قدرته على بناء معنى سياسي مستقر لوجوده داخل المجتمع المغربي.

يظل حزب الأصالة والمعاصرة واحدًا من أكثر الأحزاب تأثيرًا وإثارة للجدل في المغرب المعاصر، لأنه مثّل منذ ظهوره محاولة لإعادة تشكيل التوازن السياسي والفكري داخل البلاد.

وقد نجح في فرض نفسه كفاعل مركزي داخل المؤسسات والانتخابات، لكنه لا يزال يبحث عن معادلة صعبة تجمع بين:

  • القوة التنظيمية؛
  • والشرعية المجتمعية؛
  • والخطاب الحداثي؛
  • والهوية السياسية المستقرة.

واليوم يقف الحزب أمام لحظة حاسمة:

إما أن ينجح في ترسيخ نفسه كتيار حداثي يمتلك مشروعًا سياسيًا طويل النفس وجذورًا مجتمعية حقيقية،

أو يظل أسير صورة الحزب الذي ارتبط اسمه بالتوازنات والصراعات أكثر مما ارتبط بتحولات المجتمع المغربي العميقة.

بطاقة تعريف مختصرة

الاسم الكامل: حزب الأصالة والمعاصرة

سنة التأسيس: 2008

المرجعية الفكرية: حداثية ليبرالية

المؤسس: Fouad Ali El Himma

الأمين العام: Fatima Ezzahra El Mansouri

المقر المركزي: Rabat

عدد المقاعد في البرلمان: 87 مقعدًا (انتخابات 2021)

الرمز الانتخابي: الجرار

الشعار السياسي: “الأصالة والمعاصرة… مغرب الحداثة والكفاءات”

اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع الدائرة نيوز _ Dairanews لمعرفة جديد الاخبار