الأحزاب المغربية تحت المجهر

حزب الحركة الشعبية: من تمثيل “المغرب العميق” إلى تحدي البقاء داخل السياسة الحديثة

الأحزاب المغربية تحت المجهر

تقدّم سلسلة “الأحزاب المغربية تحت المجهر” التي تطلقها DairaNews قراءة تحليلية للمشهد الحزبي المغربي، بعيدًا عن أي انحياز أو تفضيل.

المقال 7: حزب الحركة الشعبية: من تمثيل “المغرب العميق” إلى تحدي البقاء داخل السياسة الحديثة.
منذ تأسيسه أواخر خمسينيات القرن الماضي، لم يكن حزب الحركة الشعبية مجرد تنظيم سياسي تقليدي داخل المشهد المغربي، بل مثّل لفترة طويلة صوت العالم القروي والقبائل والهوامش الجغرافية التي شعرت أن النخب الحضرية والحركة الوطنية التقليدية لا تعبّر بالكامل عن مصالحها وهويتها.

فالحزب الذي وُلد في سياق سياسي معقد بعد الاستقلال، استطاع أن يفرض نفسه كأحد أقدم الفاعلين داخل الحياة السياسية المغربية، مستندًا إلى شبكة واسعة من الأعيان والمنتخبين المحليين وإلى خطاب يقوم على الدفاع عن التعدد الثقافي والبعد الأمازيغي والعالم القروي.

لكن المغرب الذي ساهم في صناعة قوة الحركة الشعبية خلال الستينيات والسبعينيات لم يعد هو المغرب نفسه اليوم.

فالمدن توسعت، والإعلام تغير، والناخب أصبح أقل ارتباطًا بالبنيات التقليدية وأكثر ارتباطًا بالانتظارات الاجتماعية والاقتصادية والرمزية.

ولهذا وجد الحزب نفسه أمام مرحلة تاريخية جديدة:

  • تراجع فيها النفوذ التقليدي؛
  • وصعد فيها التأثير الرقمي؛
  • وتغيرت فيها طبيعة الصراع السياسي من صراع حول التمثيل المحلي إلى صراع حول الصورة والخطاب والقدرة على التأثير الوطني.

ومن هنا يبرز السؤال المركزي:

هل ما تزال الحركة الشعبية قادرة على تمثيل “المغرب العميق” داخل السياسة المغربية الحديثة، أم أن التحولات الاجتماعية أضعفت النموذج السياسي الذي بنى الحزب قوته عليه لعقود؟

1. الهوية التاريخية والنشأة السياسية

تأسس حزب الحركة الشعبية سنة 1957 بقيادة المحجوبي أحرضان عبد الكريم الخطيب، في سياق سياسي اتسم بالصراع حول طبيعة الدولة المغربية بعد الاستقلال.

وخلافًا للأحزاب الوطنية الكبرى التي انطلقت من المدن والحركة الوطنية، حاولت الحركة الشعبية بناء مشروع سياسي يرتكز على:

  • تمثيل العالم القروي؛
  • والدفاع عن التعدد الثقافي؛
  • وحماية التوازن بين المركز والهوامش؛
  • وإعطاء وزن سياسي للقبائل والأعيان والجهات.

ومنذ بدايته، ارتبط الحزب بصورة التنظيم القريب من:

  • الأوساط القروية؛
  • والنخب المحلية؛
  • والقيادات التقليدية.

كما لعب دورًا مهمًا في إدماج مناطق واسعة داخل الحياة السياسية والمؤسساتية بعد مرحلة الاستقلال.

وفي مراحل لاحقة، أصبح الحزب من أكثر الأحزاب ارتباطًا بالدفاع عن الأمازيغية داخل المشهد السياسي المغربي، خصوصًا مع تصاعد النقاش الهوياتي والثقافي في المغرب.

غير أن علاقة الحزب بالملف الأمازيغي ظلت بدورها معقدة ومتعددة الأبعاد.

فالحركة الشعبية لم تتعامل مع الأمازيغية فقط باعتبارها قضية ثقافية أو لغوية، بل تعاملت معها أيضًا كجزء من معادلة التوازن المجالي والسياسي داخل المغرب.

ولهذا سبق الحزب عددًا من التنظيمات التقليدية في إدماج الخطاب الأمازيغي داخل العمل السياسي المؤسساتي، خصوصًا في الفترات التي كانت فيها النخب الحضرية تتعامل بحذر مع هذا الملف.

لكن الحزب، رغم هذا الحضور التاريخي، لم ينجح دائمًا في تحويل الدفاع عن الأمازيغية إلى مشروع فكري وثقافي متكامل قادر على مخاطبة الأجيال الجديدة داخل المدن والجامعات والفضاء الرقمي.

تحليل:

الحركة الشعبية لم يظهر كحزب إيديولوجي بالمعنى التقليدي، بل ظهر كحزب “تمثيل اجتماعي ومجالي”.

فالحزب عبّر منذ تأسيسه عن مغرب مختلف عن مغرب النخب الحضرية التي سيطرت على جزء كبير من السياسة بعد الاستقلال.

ولهذا السبب، ارتبطت شرعيته السياسية أكثر بالامتداد الاجتماعي والقبلي والمحلي، لا بالصراع الفكري أو العقائدي.

ومن هنا اكتسب الحزب خصوصيته داخل الحياة السياسية المغربية، لأنه مثّل لفترة طويلة صوت “المغرب غير المرئي” داخل المؤسسات.

كما أن رمزية “السنبلة” — الرمز الانتخابي للحزب — لم تكن مجرد علامة انتخابية بسيطة، بل جسدت بدورها صورة الحزب المرتبط:

  • بالأرض؛
  • والفلاحة؛
  • والعالم القروي؛
  • والاستقرار الاجتماعي التقليدي.

ولهذا التصقت صورة الحركة الشعبية تاريخيًا بما يمكن وصفه بـ:

“حزب البادية المغربية”.

وهي صورة منحت الحزب قوة انتخابية طويلة الأمد، لكنها قيّدته أيضًا داخل تمثلات سياسية تقليدية أصبحت أقل جاذبية لدى جزء من الناخبين الشباب.

2. البنية التنظيمية والثقافة الداخلية

يعتمد الحزب تاريخيًا على بنية تنظيمية تقوم على:
▪︎ شبكة واسعة من المنتخبين المحليين؛
▪︎ وحضور قوي في الجماعات القروية؛
▪︎ وعلاقات تقليدية مع الأعيان والقبائل؛
▪︎ وامتداد انتخابي داخل المناطق الجبلية والقروية؛
▪︎ وتنظيمات موازية للشباب والنساء.

كما استفاد الحزب لعقود من قوة الروابط المحلية والعائلية داخل عدد من المناطق، وهو ما منحه استقرارًا انتخابيًا نسبيًا حتى في الفترات التي تراجع فيها حضوره الإعلامي والسياسي.

لكن التحولات الاجتماعية التي عرفها المغرب خلال العقود الأخيرة أثرت بشكل واضح على هذا النموذج التنظيمي.

فالهجرة نحو المدن، وصعود الطبقات الوسطى الجديدة، وتغير سلوك الناخبين، كلها عوامل أضعفت تدريجيًا السياسة القائمة على النفوذ المحلي التقليدي.

ولأن السياسة المغربية انتقلت تدريجيًا من “سياسة الأعيان” إلى “سياسة الصورة والتأثير الرقمي”، وجد الحزب نفسه أمام بيئة سياسية مختلفة تمامًا عن البيئة التي صنعت قوته لعقود.

ولهذا واجه الحزب معضلة صعبة:

  • كيف يحافظ على امتداده التقليدي؟
  • وفي الوقت نفسه، كيف يتكيف مع السياسة الحديثة والإعلام الرقمي والناخب الحضري الجديد؟

تحليل تنظيمي:

نجحت الحركة الشعبية لعقود في بناء نفوذ انتخابي مستقر اعتمادًا على القرب المحلي والشبكات التقليدية، لكنها واجهت صعوبة أكبر في التحول إلى حزب حديث يمتلك خطابًا وطنيًا قويًا يتجاوز المجال القروي.

فالنموذج التنظيمي الذي منح الحزب القوة والاستمرارية أصبح في الوقت نفسه أحد أسباب محدودية توسعه داخل المغرب الحضري الجديد.

كما أن الحزب، رغم حضوره التاريخي، لم ينجح دائمًا في إنتاج نخب سياسية قادرة على الجمع بين:

  • الامتداد المحلي؛
  • والخطاب الوطني؛
  • والحضور الإعلامي الحديث.

ولهذا بقي الحزب قويًا في مناطق معينة، لكنه فقد تدريجيًا جزءًا من حضوره الرمزي داخل النقاش السياسي الوطني.

3. المرجعية الفكرية والبرنامج السياسي

يقدم الحزب نفسه كتيار وطني اجتماعي يدافع عن:
▪︎ العدالة المجالية؛
▪︎ والتنمية القروية؛
▪︎ والتعدد الثقافي؛
▪︎ ودعم الأمازيغية؛
▪︎ وتقوية الجماعات الترابية.

كما ركز الحزب خلال السنوات الأخيرة على ملفات:

  • التعليم بالعالم القروي؛
  • والبنية التحتية؛
  • ودعم الفلاحين؛
  • وفك العزلة عن المناطق الجبلية.

وفي المقابل، حاول تطوير خطابه السياسي ليتجاوز الصورة التقليدية المرتبطة فقط بالأعيان والقبائل.

لكن رغم ذلك، لا يزال الحزب يواجه صعوبة في بناء مرجعية فكرية حديثة وواضحة داخل الوعي السياسي المغربي، خصوصًا في ظل هيمنة أحزاب تمتلك:

  • خطابًا إيديولوجيًا قويًا؛
  • أو حضورًا إعلاميًا كثيفًا؛
  • أو قدرة كبيرة على التسويق السياسي.

تحليل فكري:

المفارقة الأساسية أن الحركة الشعبية تمتلك جذورًا اجتماعية عميقة، لكنها لا تمتلك بالقدر نفسه “سردية فكرية” قوية ومؤثرة داخل المجال السياسي الحديث.

فالحزب نجح تاريخيًا في تمثيل العالم القروي، لكنه لم ينجح بالكامل في تحويل هذا التمثيل إلى مشروع فكري وسياسي متكامل حول:

  • التنمية؛
  • والهوية؛
  • والعدالة المجالية؛
  • والعلاقة بين المركز والهوامش.

كما أن الحزب، رغم دفاعه المبكر عن الأمازيغية، لم يستثمر دائمًا هذا البعد لبناء مشروع ثقافي وسياسي واسع قادر على جذب الأجيال الجديدة.

ومن جهة أخرى، ظل الحزب يعتمد غالبًا على البراغماتية السياسية أكثر من اعتماده على إنتاج خطاب فكري متماسك طويل النفس.

وهذه البراغماتية منحت الحزب قدرة كبيرة على التكيف والاستمرار، لكنها جعلت هويته الفكرية أقل وضوحًا مقارنة بأحزاب بنت مشروعها على الصراع الإيديولوجي أو المرجعية العقائدية.

4. الحضور الانتخابي والسياسي

يُعد حزب الحركة الشعبية من أكثر الأحزاب استمرارية داخل الحياة السياسية المغربية.

فمنذ الاستقلال، شارك الحزب في عدة حكومات وتحالفات، كما حافظ على حضور ثابت داخل البرلمان والجماعات الترابية.

وخلال مراحل طويلة، لعب الحزب دور “حزب التوازن” القادر على التكيف مع التحولات السياسية دون الدخول في صراعات إيديولوجية حادة.

كما استفاد من:

  • حضوره القروي؛
  • وقوة شبكاته المحلية؛
  • ومرونته السياسية؛
  • وقدرته على بناء التحالفات.

لكن مع صعود الأحزاب ذات الخطاب الإعلامي القوي، تراجع حضور الحزب داخل النقاش السياسي الوطني مقارنة بفترات سابقة.

تحليل سياسي:

الحركة الشعبية مثّلت لسنوات نموذج الحزب البراغماتي القادر على البقاء داخل السلطة والمعارضة دون الدخول في مواجهات كبرى.

لكن هذه البراغماتية نفسها جعلت الحزب يبدو أحيانًا أقل وضوحًا من حيث المشروع السياسي والتموقع الفكري.

تفسير أعمق:

استمد الحزب قوته تاريخيًا من “الامتداد المحلي”، بينما أصبحت السياسة الحديثة تعتمد أكثر على:

  • الصورة الإعلامية؛
  • والخطاب الوطني؛
  • والتأثير الرقمي.

ولهذا السبب، واجه الحزب صعوبة في تحويل نفوذه الانتخابي التقليدي إلى حضور سياسي وإعلامي يوازي حجم تاريخه داخل الدولة المغربية.

كما أن الحزب، رغم مشاركته الطويلة داخل الحكومات، لم ينجح دائمًا في تحويل حضوره المؤسساتي إلى نفوذ سياسي يوازي حضوره التاريخي.

وهنا تظهر إحدى مفارقات الحركة الشعبية:
فالحزب يمتلك تاريخًا طويلًا داخل الدولة، لكنه لا يمتلك بالضرورة التأثير نفسه داخل الوعي السياسي للأجيال الجديدة.

5. الصورة الإعلامية والاتصال السياسي

لم يعتمد الحزب تاريخيًا على الاتصال السياسي المكثف مثل الأحزاب الحديثة، بل اعتمد أكثر على:

  • القرب المحلي؛
  • والشبكات الانتخابية التقليدية؛
  • والعلاقات الاجتماعية داخل العالم القروي.

ولهذا ظل حضوره الإعلامي أقل قوة مقارنة بأحزاب:

  • العدالة والتنمية؛
  • والأصالة والمعاصرة؛
  • والتجمع الوطني للأحرار.

لكن مع انتقال السياسة من المجال المحلي إلى الفضاء الرقمي، وجد الحزب نفسه أمام لغة سياسية جديدة لم يصنع قواعدها.

ولهذا حاول خلال السنوات الأخيرة تحديث خطابه وصورته، خصوصًا عبر التركيز على:

  • الأمازيغية؛
  • والتنمية القروية؛
  • والقضايا الاجتماعية.

ورغم ذلك، لا يزال الحزب يواجه صعوبة في بناء هوية إعلامية قوية ومؤثرة لدى الأجيال الجديدة.

تحليل تواصلي:

الحركة الشعبية تمثل نموذج حزب نجح طويلًا عبر “السياسة الميدانية”، لكنه تأخر نسبيًا في فهم التحول نحو “السياسة الرقمية”.

ففي الماضي، كانت قوة الحزب تُقاس بعدد المنتخبين وشبكات النفوذ المحلي، أما اليوم فأصبحت الصورة والخطاب والقدرة على التأثير الرقمي جزءًا أساسيًا من القوة السياسية.

ولهذا يبدو الحزب أحيانًا أكبر داخل المؤسسات المحلية مما يبدو داخل المجال الإعلامي والرقمي.

كما أن الحزب لم ينجح بعد في صناعة “رمزية سياسية حديثة” قادرة على إعادة تقديمه للأجيال الجديدة خارج الصورة التقليدية المرتبطة بالعالم القروي والأعيان.

6. التحديات الراهنة والرهانات المستقبلية

  1. تحديث البنية التنظيمية دون فقدان الامتداد التقليدي.
  2. بناء خطاب سياسي حديث يجذب الأجيال الجديدة.
  3. تحويل ملف العدالة المجالية إلى مشروع وطني شامل.
  4. تعزيز الحضور الإعلامي والرقمي للحزب.
  5. التوفيق بين الهوية القروية والانفتاح على المغرب الحضري الجديد.

تحليل استراتيجي:

الحزب يواجه اليوم تحديًا وجوديًا يتمثل في الانتقال من “حزب الامتداد المحلي” إلى “حزب التأثير الوطني”.

فالتحولات الاجتماعية والاقتصادية التي يعرفها المغرب تغير بسرعة طبيعة السياسة والناخبين ووسائل التأثير.

ولهذا فإن مستقبل الحركة الشعبية سيتحدد بمدى قدرتها على إعادة تعريف نفسها داخل مغرب جديد:

  • أكثر حضرية؛
  • وأكثر رقمية؛
  • وأكثر حساسية تجاه الخطاب السياسي المباشر.

كما أن الحزب مطالب اليوم ببناء مشروع واضح حول:

  • العدالة المجالية؛
  • والتنمية القروية؛
  • والهوية الثقافية؛

حتى لا يبقى مجرد حزب يمتلك تاريخًا طويلًا دون قدرة حقيقية على قيادة النقاش السياسي الوطني.

والأهم من ذلك أن الحزب لم يعد ينافس فقط على المقاعد والحقائب الحكومية، بل أصبح ينافس أيضًا على القدرة على البقاء مؤثرًا داخل مغرب يتغير بسرعة كبيرة.

يظل حزب الحركة الشعبية واحدًا من أقدم الأحزاب المغربية وأكثرها ارتباطًا بتحولات الدولة والمجتمع منذ الاستقلال.

وقد نجح لعقود في تمثيل العالم القروي والهوامش داخل المؤسسات، لكنه يواجه اليوم مرحلة مختلفة تفرض عليه إعادة بناء خطابه وصورته وأدوات اشتغاله.

واليوم يقف الحزب أمام مفترق حاسم:

إما أن ينجح في التحول إلى قوة سياسية حديثة تحمل مشروعًا واضحًا حول التنمية والعدالة المجالية والهوية الثقافية،

أو يظل أسير نموذج سياسي تقليدي تراجع تأثيره مع تغير المجتمع المغربي وصعود السياسة الرقمية والإعلامية الحديثة.

بطاقة تعريف مختصرة

الاسم الكامل: حزب الحركة الشعبية

سنة التأسيس: 1957

المرجعية الفكرية: وطنية اجتماعية ذات امتداد قروي وأمازيغي

المؤسسون: المحجوبي أحرضان عبد الكريم الخطيب

الأمين العام: محمد أوزين

المقر المركزي: الرباط

عدد المقاعد في البرلمان: 29 مقعدًا (انتخابات 2021)

الرمز الانتخابي: السنبلة

الشعار السياسي: “الإنصاف، الأمل، العمل”

اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع الدائرة نيوز _ Dairanews لمعرفة جديد الاخبار