خفايا الشعوذة في المغرب: من الأسواق إلى الإنترنت
اقتباس افتتاحي: «من يستخف بالشعوذة لا يدرك أنها أكثر من خرافة؛ إنها نافذة على الخوف البشري، واستغلال للمجتمع، ومرآة للحقوق المغيبة.»
في الشوارع الصاخبة للدار البيضاء، وبين الأزقة الضيقة لفاس ومراكش، وفي حَنايا الفضاء الرقمي على «تيك توك» و«فيسبوك»، لا تزال ظاهرة الشعوذة تتغلغل في الحياة اليومية للمغاربة، رغم التقدّم العلمي والتحوّلات الاجتماعية السريعة التي يشهدها البلد. ولذلك، ما بين المعتقد والخرافة، وبين القانون والحقوق الإنسانية، تطفو هذه الظاهرة كمرآة عاكسة لتحديات أعمق في المجتمع المغربي اليوم [1].
رأي التحرير
يرى فريق التحرير أن الشعوذة ليست مجرد قضية ثقافية أو تقليدية، بل خطر متعدّد الأبعاد يلمس الصحة العامة، الحقوق الأساسية، والاستقرار الاجتماعي. ومن هذا المنطلق، فإن التحرك الإعلامي، الحقوقي، والقانوني لمكافحة هذه الظاهرة ضرورة قصوى، ولا مجال للتسويف أو التهاون فيه.
1. حجم الظاهرة وانتشارها
تشير الدراسات الميدانية إلى أن ما يقارب 40% من الأسر المغربية قد لجأت في وقت ما إلى «معالج» شعوذي، سواء لأسباب صحية، أو عائلية، أو مهنية [2].
وبالمثل، مع توسع وسائل التواصل الرقمي، ازدهرت عروض الشعوذة عبر الإنترنت، حيث تبيع بعض الصفحات «حلولًا سحرية» لمشاكل الحياة اليومية، من إبطال السحر إلى جلب الحظ أو النجاح المالي. هذا الانتشار جعل من الصعب على السلطات مراقبة الظاهرة، ما يعقد من جهود الوقاية القانونية.
2. البعد القانوني للشعوذة
القانون المغربي لا يجرم الشعوذة بوصفها جريمة مستقلة، بل يتم التعامل معها عبر تكييفات قانونية مثل النصب والاحتيال، وانتحال الصفة، والممارسة غير القانونية للطب [3].
وبالتالي، يخلق هذا الفراغ القانوني هشاشة حقوقية: الضحايا غالبًا ما يخشون التبليغ، وصعوبة الإثبات تحد من إمكانية الملاحقة القضائية، ما يترك المجال مفتوحًا لاستغلالهم.
3. الشعوذة وحقوق الإنسان
3.1 الحق في الصحة
الاعتماد على المعالجين الشعوذين بدل الأطباء يعرض المرضى للمخاطر الصحية الجسيمة، خصوصًا في حالات الأمراض المزمنة أو السرطانية [4].
3.2 الكرامة الإنسانية
بعض الطقوس تشمل تعنيفًا نفسيًا وجسديًا، وتحميل الضحايا مسؤولية مشاكلهم أو «مسّهم بالسحر»، ما يشكل انتهاكًا صارخًا للكرامة الإنسانية.
3.3 استهداف النساء والأطفال
الإحصاءات الحقوقية تشير إلى أن النساء والأطفال يمثلون الفئة الأكثر عرضة للاستغلال، خاصة في قضايا العقم، الزواج، والدراسة، حيث يُستغل الخوف الاجتماعي وضعف الوعي المعلوماتي للضغط عليهم.
4. الاقتصاد الرمادي للشعوذة
تُظهر تقارير منظمات المجتمع المدني أن الشعوذة تشكل سوقًا نقديًا متنوعًا يدر ملايين الدراهم سنويًا، مستفيدًا من ضعف الرقابة القانونية وتواطؤ بعض الوسطاء.
مثال: أحد المعالجين في الدار البيضاء يعلن عبر الإنترنت عن جلسات «إبطال السحر» بمبلغ 5000 درهم للجلسة، مستهدفًا الطبقات المتوسطة والفقيرة على حد سواء.
5. دور الإعلام والمجتمع المدني
الإعلام الاستقصائي هو خط الدفاع الأول ضد هذه الظاهرة. فعلى سبيل المثال، التحقيقات الرقمية والبحث الميداني تمكن من:
- كشف الشبكات
- حماية الضحايا
- رفع مستوى الوعي المجتمعي
كما أن الجمعيات الحقوقية تلعب دورًا تكميليًا عبر برامج التوعية، ورصد الانتهاكات، وتقديم الدعم النفسي والقانوني للضحايا.
6. قانون يتخبّط بين التراث والحداثة
القانون المغربي لا يتعامل مع الشعوذة كمصطلح قانوني مستقل؛ بل تُصنّف أفعال خداع الناس بالدجل ضمن جريمة النصب أو “الممارسة غير المرخّصة للطب”، بحسب التكييفات المتاحة في القانون الجنائي. وفي بعض الحالات، تصل العقوبات إلى السجن من سنة إلى خمس سنوات بحسب خطورة الأفعال والظروف المحيطة بها [1].
7. أسباب اجتماعية وثقافية وراء الشعوذة
خبراء في علم الاجتماع يشيرون إلى أن الشعوذة ليست «ظاهرة معزولة»، بل نتاج سياقات تاريخية وثقافية عميقة، ترتبط بالقِيم الشعبية، والخوف من الغيب، ورغبة الإنسان في تفسير ما لا يمكن تفسيره بالعقل وحده [5].
في المغرب، تُقرأ الظاهرة أحياناً كـ«مرآة للتوتر بين التقليد والحداثة»، حيث يوجد جزء كبير من السكان يعيش في مناطق حضرية متطوّرة، بينما ظلت قواعد ثقافية عميقة متوارثة عبر أجيال، تعطي قيمة للغيبيات والتفسيرات الخارقة.
8. الحقوق والآثار الإنسانية
من منظور حقوق الإنسان، فإن الشعوذة ليست مجرد مسألة ثقافية؛ إنها انتهاك لحقوق الأفراد، وخاصة النساء والفئات الضعيفة.
وبالتالي، من يروّجون للسحر يستغلون الفقر، واليأس، والخوف، وغالباً ما يتركون ضحاياهم في حالة نفسية ومادية صعبة، مع ندرة في آليات حماية فعّالة.
وفي المقابل، تشير أعداد قضايا الاحتيال والتحايل التي أحيلت على القضاء إلى أن تدخّل الدولة موجود، لكنه يظل غير كافٍ نظراً لغياب إرث قانوني واضح يقوّض جذور هذه الممارسات ويهدم شبكات الاستغلال [6].
9. موقف الشرع الإسلامي
وفق الشريعة الإسلامية، الشعوذة والسحر محرّمان، ويُعدان من الكبائر لما لهما من أثر في الضرر الجسدي والنفسي للآخرين. القرآن الكريم يحذر من السحر والاستعانة بالجن لأذية الناس، كما جاء في قوله تعالى:
«وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ ۖ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَٰكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ ۚ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ ۖ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ ۚ وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ ۚ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ ۚ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (سورة البقرة: 102)
ويؤكد القرآن الكريم تحريم السحر وكل ممارسة تقوم على تعليم الناس ما يضرّهم ولا ينفعهم، أو على الاستعانة بالشياطين فيما يفضي إلى الإضرار بالغير أو الوقوع في الشرك والكفر.
وانطلاقًا من هذا الأساس، يبرز التمييز الضروري بين حرية المعتقد الديني من جهة، وبين الممارسات الاحتيالية والضارة التي تنتهك حقوق الإنسان من جهة أخرى.
ظهور حملات إلكترونية ضد المشعوذين، ومناقشات متصاعدة في الأوساط الحقوقية حول إدراج نصوص قانونية صريحة، يعكس أن المغرب يقف عند مفترق طرق: إما أن يستمر في التعامل مع الشعوذة كـ«ظاهرة هامشية»، أو أن يعالجها كقضية اجتماعية قانونية مستعصية تتطلب سياسات مندمجة بين التوعية، التعليم، الحماية القانونية، والمساءلة القضائية.
وفي النهاية، ما يجري ليس مجرد صراع بين علم وخرافة، بل هو اختبار لقدرة المجتمع على حماية حقوق أفراده، وإعلاء قيم العدالة والكرامة الإنسانية في مواجهة عالم الخرافة الذي لا يزال يجذب قلوباً وأذهاناً كثيرة، حتى في قلب القرن الحادي والعشرين.
قائمة المراجع
- en.bladi.net. Moroccan activists target TikTok sorcerers in anti-fraud campaign. 2024. رابط
- المعهد الوطني للإحصاء، المغرب. الدراسات الميدانية حول الممارسات التقليدية. 2024. رابط
- قانون العقوبات المغربي، الفصول 540–546 (النصب) وما يليها. 2023. رابط
- World Health Organization (WHO). Traditional and complementary medicine: risks and benefits. 2023. رابط
- asjp.cerist.dz. Études sociologiques حول الشعوذة في المغرب. 2023. رابط
- alhadath.net. حملات في المغرب ضد المشعوذين واستغلال الفئات الضعيفة. 2024. رابط
اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع الدائرة نيوز _ Dairanews لمعرفة جديد الاخبار