محمود عرشان يعيد ملف سنوات الرصاص إلى الواجهة بعد سجال سياسي بمجلس المستشارين
أعادت المداخلة الأخيرة لمحمود عرشان، الرئيس المؤسس لحزب الحركة الديمقراطية الاجتماعية، بمجلس المستشارين، النقاش حول إرث سنوات الرصاص بالمغرب، بعدما انتقد ما اعتبره إقصاءً لقيادات حزبية من الصورة التلفزيونية خلال استقبال وفد حزبه في إطار مشاورات تشكيل الحكومة.
وأثار هذا الموقف تفاعلات وانتقادات من طرف معارضين وفاعلين حقوقيين، اعتبروا أن الجدل المرتبط بالتغطية الإعلامية يتجاوز مسألة الظهور التلفزيوني ليطرح أسئلة أعمق بشأن الذاكرة الجماعية، ومسؤولية الشخصيات العمومية عن ماضيها السياسي والمهني.
جدل سياسي يتجاوز حدود التغطية الإعلامية
وبحسب المواقف المنتقدة، فإن احتجاج عرشان على ما وصفه بالرقابة التلفزيونية أعاد إلى الواجهة النقاش حول الاتهامات والانتقادات التي ارتبطت باسمه في سياق الحديث عن الانتهاكات التي شهدها المغرب خلال سنوات الرصاص، وهي المرحلة التي خلفت جروحاً عميقة في ذاكرة الضحايا وعائلاتهم.
ويرى منتقدوه أن الشخصيات التي تتصدر المشهد السياسي مطالبة بالتفاعل مع الأسئلة المرتبطة بالماضي، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بملفات حقوق الإنسان والانتهاكات التي شكلت موضوع شهادات وتقارير حقوقية، من بينها أعمال هيئة الإنصاف والمصالحة.
وفي المقابل، يظل من الضروري التمييز بين المواقف السياسية والانتقادات الموجهة إلى الشخصيات العامة من جهة، والوقائع التي تثبتها الوثائق الرسمية والأحكام القضائية من جهة أخرى، تفادياً لتحويل النقاش العمومي إلى أحكام قطعية غير مسندة.
مناظرة تلفزيونية تعيد طرح أسئلة الماضي
كما أثارت دعوة عرشان إلى تنظيم مناظرة تلفزيونية للكشف عمن وصفهم بالجلادين الحقيقيين، إلى جانب انتقاده لبعض الأصوات المعارضة، نقاشاً حول حدود السجال السياسي عندما يتصل بملفات التعذيب والانتهاكات الحقوقية.
واعتبر منتقدون أن استحضار هذه القضايا في سياق المواجهة السياسية يستوجب قدراً أكبر من المسؤولية، بالنظر إلى حساسية الملف بالنسبة إلى ضحايا الانتهاكات وعائلاتهم، وإلى المكانة التي تحتلها العدالة الانتقالية في التجربة المغربية.
ويأتي هذا الجدل في سياق يستمر فيه النقاش حول مدى قدرة المؤسسات السياسية على استيعاب دروس الماضي، وترسيخ ثقافة المساءلة وصون الذاكرة الوطنية، بما يضمن عدم تكرار الانتهاكات التي عرفتها البلاد خلال فترات سابقة.
الذاكرة الحقوقية في مواجهة السجال السياسي
إن الجدل الذي أعقب مداخلة محمود عرشان لا يتعلق فقط بكيفية إخراج الصور التلفزيونية أو تمثيلية الأحزاب في المشاورات السياسية، بل يعكس أيضاً استمرار حضور ملف سنوات الرصاص في النقاش العمومي المغربي.
فبالنسبة إلى عدد من الفاعلين الحقوقيين، لا يمكن فصل النقاش حول المسؤولية السياسية والأخلاقية عن ضرورة حفظ الذاكرة الجماعية، والإنصات إلى الضحايا، والتعامل مع ملفات الماضي استناداً إلى الشهادات والوثائق والمعطيات الموثوقة.
وبين دفاع عرشان عن موقفه وانتقادات معارضيه، يبقى التحدي الأساسي هو ضمان نقاش عمومي مسؤول، يوازن بين الحق في التعبير وضرورة احترام الضحايا، ويستند إلى الوقائع المثبتة بدل الاكتفاء بالتراشق السياسي.
وهكذا، أعادت هذه الواقعة طرح سؤال جوهري في المشهد السياسي المغربي: إلى أي حد استطاعت تجربة العدالة الانتقالية تحويل ذاكرة الانتهاكات إلى ثقافة مؤسساتية قائمة على المساءلة واحترام حقوق الإنسان؟
اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع الدائرة نيوز _ Dairanews لمعرفة جديد الاخبار