2035: العام الذي قد تنتهي فيه هيمنة الغرب على العالم
كيف يعيد صعود الصين وعودة روسيا وتحديات الولايات المتحدة الأمريكية رسم خريطة القوة العالمية
العالم يقف على أعتاب تحول تاريخي: لحظة إعادة توزيع القوة العالمية بدأت بالفعل
في التاريخ الحديث، لم تتغير موازين القوة العالمية إلا في لحظات نادرة. فبعد الحرب العالمية الثانية تشكل نظام دولي قادته الولايات المتحدة الأمريكية لعقود طويلة. غير أن التحولات الاقتصادية والتكنولوجية والعسكرية التي يشهدها العالم اليوم تشير إلى أن هذا النظام يقترب من نهاية مرحلة تاريخية.
اليوم، ومع صعود الصين وعودة روسيا إلى المسرح الجيوسياسي، وظهور تكتلات دولية جديدة مثل BRICS، يبدو أن العالم يقف على أعتاب إعادة توزيع كبرى للقوة قد تحدد من سيقود النظام الدولي في العقود القادمة.
وفي هذا السياق، يبرز سؤال استراتيجي حاسم: من سيقود العالم في عام 2035؟
أولاً: الولايات المتحدة ومحاولة الحفاظ على الهيمنة العالمية
لا تزال الولايات المتحدة القوة العسكرية الأولى في العالم. إذ يتجاوز إنفاقها الدفاعي 850 مليار دولار سنوياً وفق تقديرات Stockholm International Peace Research Institute، وهو ما يمثل نسبة كبيرة من الإنفاق العسكري العالمي.
كما تعتمد واشنطن على شبكة واسعة من التحالفات الدولية، وعلى رأسها NATO، الذي يشكل أحد أهم أعمدة النفوذ الاستراتيجي الأمريكي في أوروبا والعالم.
إلى جانب ذلك، تواصل الشركات الأمريكية العملاقة قيادة الاقتصاد الرقمي العالمي. فشركات مثل Apple وMicrosoft وGoogle تمثل اليوم قلب الابتكار العالمي في مجالات التكنولوجيا المتقدمة.
كما يلعب الدولار الأمريكي دوراً محورياً في النظام المالي الدولي، إذ يستخدم في نسبة كبيرة من التجارة العالمية.
ومع ذلك، تواجه الولايات المتحدة تحديات متزايدة، خاصة في ظل التنافس المتصاعد مع الصين.
ثانياً: الصين وصعود القوة الاقتصادية والتكنولوجية
خلال العقود الثلاثة الماضية، حققت الصين واحدة من أسرع الطفرات الاقتصادية في التاريخ الحديث. فقد تحولت من اقتصاد نامٍ إلى ثاني أكبر اقتصاد في العالم.
وفي إطار تعزيز نفوذها الدولي، أطلقت بكين مشروع Belt and Road Initiative، الذي يعد أحد أكبر مشاريع البنية التحتية في التاريخ الحديث، حيث يهدف إلى ربط آسيا وأوروبا وأفريقيا بشبكات ضخمة من الطرق والموانئ وخطوط الطاقة.
إلى جانب ذلك، تستثمر الصين بشكل مكثف في مجالات التكنولوجيا المتقدمة مثل الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمية والفضاء.
وفي هذا السياق، يقول المفكر الاستراتيجي الراحل Henry Kissinger:
“إن النظام الدولي يدخل مرحلة انتقالية عميقة، وقد يحدد التوازن بين الولايات المتحدة والصين شكل القرن الحادي والعشرين.”
ثالثاً: روسيا واستراتيجية إعادة النفوذ الجيوسياسي
أما روسيا، فقد اختارت استراتيجية مختلفة تقوم على استخدام القوة العسكرية والنفوذ الطاقي لاستعادة موقعها في النظام الدولي.
وقد ظهر ذلك بوضوح منذ اندلاع حرب روسيا واوكرانيا (2022)، الذي أعاد رسم معادلات الأمن الأوروبي وأدخل العلاقات بين موسكو والغرب في مرحلة جديدة من التوتر.
وعلى الرغم من العقوبات الاقتصادية الغربية، لا تزال روسيا لاعباً مهماً في أسواق الطاقة العالمية، خاصة في مجالات الغاز الطبيعي والنفط.
رابعاً: أوروبا بين القوة الاقتصادية والبحث عن الاستقلال الاستراتيجي
يمثل الاتحاد الأوروبي أحد أكبر التكتلات الاقتصادية في العالم. غير أن الاتحاد الأوروبي يواجه تحدياً استراتيجياً يتمثل في الفجوة بين قوته الاقتصادية وقدراته العسكرية.
غير أن الحرب في أوكرانيا دفعت العديد من الدول الأوروبية إلى زيادة إنفاقها الدفاعي بشكل ملحوظ، كما ظهرت دعوات متزايدة لتعزيز مفهوم “السيادة الاستراتيجية الأوروبية”.
العوامل الحاسمة التي ستحدد من يقود العالم
لم تعد القوة في القرن الحادي والعشرين تعتمد فقط على الجيوش أو الموارد الطبيعية. بل ظهرت عناصر جديدة أصبحت تلعب دوراً حاسماً في تحديد ميزان القوة العالمي.
أولاً، التكنولوجيا المتقدمة، وخاصة الذكاء الاصطناعي.
ثانياً، الاقتصاد الرقمي والمنصات العالمية.
ثالثاً، الطاقة والموارد الاستراتيجية.
رابعاً، التحالفات الدولية الجديدة مثل BRICS.
ثلاثة سيناريوهات للنظام العالمي في عام 2035
السيناريو الأول: استمرار الهيمنة الأمريكية
تنجح الولايات المتحدة في الحفاظ على تفوقها العسكري والتكنولوجي.
السيناريو الثاني: نظام ثنائي القطبية
يتشكل نظام عالمي قائم على المنافسة بين الولايات المتحدة والصين، على غرار ما حدث خلال الحرب الباردة.
السيناريو الثالث: عالم متعدد الأقطاب
تظهر عدة مراكز للقوة تشمل الولايات المتحدة والصين وأوروبا وقوى أخرى.
التحليل الجيوسياسي: ما الذي قد يحدث بعد 2035؟
إذا استمرت الاتجاهات الحالية في الاقتصاد والتكنولوجيا والسياسة الدولية، فإن العالم قد يدخل بحلول عام 2035 مرحلة انتقالية تشبه التحولات الكبرى التي شهدها النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية. غير أن الفارق الأساسي هذه المرة يتمثل في أن مراكز القوة لن تنتقل ببساطة من قوة إلى أخرى، بل قد تتوزع بين عدة قوى كبرى في آن واحد.
فمن جهة، قد تحافظ الولايات المتحدة على تفوقها العسكري والتكنولوجي بفضل منظومة الابتكار والشركات العملاقة. ومن جهة أخرى، قد تواصل الصين توسيع نفوذها الاقتصادي عبر شبكات التجارة والاستثمار العالمية التي عززتها مبادرة الحزام والطريق
(Belt and Road Initiative).
أما روسيا فمن المرجح أن تستمر في توظيف قوتها العسكرية ومواردها الطاقية للحفاظ على موقعها الجيوسياسي، في حين قد يسعى الاتحاد الأوروبي إلى تطوير قدراته الدفاعية.
وبالتالي، قد يتجه العالم نحو نظام دولي أكثر تعقيداً يقوم على توازنات متعددة للقوة.
رأي التحرير
في النهاية، لا يتعلق السؤال فقط بمن سيحكم العالم في عام 2035، بل بكيفية إدارة التنافس بين القوى الكبرى في مرحلة التحول التاريخي هذه.
فالتاريخ يبين أن انتقال مراكز القوة غالباً ما يكون لحظة خطرة في العلاقات الدولية. ومع ذلك، فإن العالم اليوم يمتلك أدوات للتعاون لم تكن موجودة في الماضي.
ولهذا السبب، فإن مستقبل النظام الدولي سيعتمد على قدرة القوى الكبرى — من الولايات المتحدة إلى الصين مروراً بـ الاتحاد الأوروبي — على تحقيق توازن دقيق بين المنافسة والتعاون.
أما إذا فشل هذا التوازن، فإن العقد القادم قد يشهد إعادة رسم خريطة القوة العالمية بطريقة لم يعرفها العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
المصادر
تقارير Stockholm International Peace Research Institute
تقارير International Monetary Fund
دراسات Council on Foreign Relations
أبحاث Brookings Institution
اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع الدائرة نيوز _ Dairanews لمعرفة جديد الاخبار