حوادث

حقائق قضية «مول لافوكا» بالحنشة بسلا.. بين إخلاء ضيعة وإعادة إسكان عشرات الأسر

أثار تدخل السلطات العمومية بمنطقة الحنشة التابعة لبوقنادل بإقليم سلا، من أجل إخلاء مستغل ضيعة فلاحية، جدلاً واسعاً على مواقع التواصل الاجتماعي، بعدما رافقت عملية الإخلاء إزالة عدد من أشجار الأفوكا، فيما انتهى التدخل بتوقيف مستغل الضيعة وابنه، عقب تسجيل إصابة أحد عناصر الدرك الملكي على مستوى الرأس.

وأفرزت الواقعة مواقف متباينة؛ فبينما عبّر عدد من المتابعين عن استنكارهم لما اعتبروه تدخلاً قاسياً، وتعاطفوا مع الأب وابنه، اعتبر آخرون أن الصورة المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي لا تعكس بالضرورة كامل خلفيات الملف، وأن القضية ترتبط أساساً بعملية إعادة إسكان عدد من الأسر فوق وعاء عقاري تابع للأراضي السلالية.

هل يتعلق الأمر بضيعة خاصة أم بأراضٍ سلالية؟

من أبرز النقاط التي تستدعي التوضيح، بحسب المعطيات المتداولة وشهادات عدد من المتابعين والفاعلين بالمنطقة، طبيعة الوعاء العقاري الذي توجد فوقه الضيعة.

ففي الوقت الذي تحدث فيه مستغل الضيعة في تصريحات إعلامية عن ارتباط الأرض بأجداده، فإن معطيات أخرى تشير إلى أن العقار يدخل ضمن الأراضي السلالية، التي تخضع لنظام قانوني وإداري خاص وتشرف عليها السلطات المختصة، ولا تُعامل معاملة الملكيات الخاصة.

وبالتالي، فإن الحديث عن استغلال الأرض لسنوات لا يعني بالضرورة ثبوت ملكيتها الخاصة، كما أن وجود أشجار مثمرة أو استثمارات فلاحية فوق العقار لا يحسم وحده مسألة الحق في الاستغلال، التي تبقى مرتبطة بالوضعية القانونية للعقار والقرارات الإدارية والتنظيمية ذات الصلة.

خلفية اجتماعية وراء عملية الإخلاء

وبحسب المعطيات المتداولة محلياً، فإن القضية لا ترتبط فقط بمستغل الضيعة، وإنما تمس مشروعاً لإعادة إيواء عشرات الأسر.

وتشير هذه المعطيات إلى أن حوالي 50 أسرة ظلت، منذ سنة 2023، تنتظر استكمال عملية إعادة الإسكان، بعدما جرى تخصيص بقع أرضية لها ضمن مشروع سكني، مع استفادة عدد من الأسر من تعويضات مقابل هدم مساكنها وإخلاء الوعاء العقاري.

وقد استجابت أسر عديدة للعملية، وقامت بإخلاء مساكنها وهدمها، أملاً في الانتقال إلى البقع المخصصة لها، غير أن استمرار استغلال جزء من العقار الذي توجد فوقه الضيعة حال، وفق الرواية المتداولة، دون استكمال الأشغال في الآجال المطلوبة.

ثلاث سنوات من الانتظار

وتقول المعطيات المحلية إن السلطات لم تلجأ إلى الإخلاء بالقوة منذ بداية العملية، بل استمر الوضع لسنوات، في انتظار أن يتم الإفراغ بشكل رضائي.

وخلال هذه الفترة، ظل مشروع إعادة الإسكان مرتبطاً بإخلاء العقار واستكمال أشغال التجزئة، من طرق وأزقة وقنوات للماء والتطهير وغيرها من التجهيزات الأساسية.

ومع تقدم الأشغال في محيط الضيعة، أصبحت الجهة المكلفة بالمشروع أمام إكراهات مرتبطة بآجال التنفيذ، الأمر الذي دفع، بحسب هذه الرواية، إلى مطالبة السلطات بالتدخل لإخلاء الجزء المتبقي من العقار حتى يتسنى استكمال المشروع.

الأفوكا.. خلفية اقتصادية للتمسك بالضيعة؟

من بين المعطيات التي يتم تداولها محلياً أن أشجار الأفوكا كانت تحقق لمستغل الضيعة مداخيل مهمة، وهو ما قد يفسر، وفق بعض الآراء، تمسكه بمواصلة الاستغلال رغم ارتباط العقار بمشروع إعادة الإسكان.

غير أن هذه المعطيات، بما فيها قيمة المداخيل السنوية المتداولة، تحتاج إلى توثيق رسمي ودقيق، ولا يمكن اعتبارها حقيقة نهائية ما لم تؤكدها وثائق أو معطيات مالية موثوقة.

وفي المقابل، فإن استمرار الاستغلال الزراعي لمدة ثلاث سنوات لا يلغي، في حد ذاته، القرارات المتعلقة بمآل العقار إذا ثبت أنه مشمول بمشروع عمومي لإعادة الإسكان.

إصابة دركي تفتح جانباً آخر من القضية

الجانب الآخر الذي لا يمكن تجاهله يتعلق بطريقة مواجهة عملية الإخلاء.

فبحسب المعطيات المتداولة، شهد التدخل مواجهة بين مستغل الضيعة وابنه وعناصر القوات العمومية، انتهت بإصابة أحد عناصر الدرك الملكي على مستوى الرأس.

وفي مثل هذه الحالات، فإن حق الاحتجاج أو الاعتراض على قرار إداري لا يبرر، من الناحية القانونية، الاعتداء على عناصر القوة العمومية، كما أن تقييم مشروعية استعمال القوة يبقى من اختصاص الجهات القضائية المختصة بناءً على الوقائع والأدلة المتوفرة.

من يستحق التعاطف؟

القضية، في نهاية المطاف، تتجاوز مشهد أشجار الأفوكا التي اقتُلعت خلال عملية الإخلاء، لتطرح سؤالاً اجتماعياً أكبر: هل ينبغي النظر إلى الواقعة من زاوية صاحب الضيعة فقط، أم من زاوية عشرات الأسر التي تنتظر منذ سنوات الحصول على حقها في الاستقرار؟

فالمشهد الذي انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي أظهر أباً وابنه في مواجهة القوات العمومية، ما دفع عدداً من المتابعين إلى التعاطف معهما. لكن الصورة الكاملة، إن صحت المعطيات المتداولة حول طبيعة العقار ومشروع إعادة الإسكان والتعويضات والبقع المخصصة للأسر، تكشف أن هناك طرفاً آخر في القضية ظل بعيداً عن دائرة الضوء: عشرات الأسر التي تنتظر منذ سنوات نهاية هذا الملف.

وبين الروايتين، تبقى الحقيقة الكاملة مرتبطة بالوثائق الرسمية، وقرارات السلطات المختصة، وملف العقار، ومحاضر التدخل، وما ستكشف عنه الإجراءات القضائية بشأن ظروف الواقعة ومسؤوليات كل طرف.

فالواجب الإعلامي لا يقتصر على نقل المشهد الأكثر إثارة، وإنما يقتضي أيضاً البحث في الخلفيات والوثائق وسماع جميع الأطراف، حتى لا تتحول العاطفة التي تصنعها مقاطع الفيديو إلى حكم مسبق على قضية قد تكون لها تفاصيل قانونية واجتماعية أعمق بكثير مما يظهر للمتابع في الوهلة الأولى.

اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع الدائرة نيوز _ Dairanews لمعرفة جديد الاخبار