من بنيدورم إلى العالم… المحامون المغاربة يرسخون حضورهم في مونديال العدالة والرياضة
” المحاماة ليست مهنة لكسب القضايا فقط، بل رسالة لبناء الجسور بين البشر والدفاع عن كرامتهم أينما كانوا.”
— Nelson Mandela
في واحدة من أكثر الليالي رمزية داخل الأجندة الدولية للمحامين، تحولت مدينة Benidorm الإسبانية، مساء السبت 16 ماي، إلى منصة عالمية تحتفي بقيم العدالة والتنافس النبيل والانفتاح بين الثقافات، وذلك خلال حفل اختتام النسخة الثانية والعشرين من كأس العالم للمحامين، الذي احتضنته قاعة “Penelope” الشهيرة وسط حضور شخصيات قانونية وازنة قدمت من مختلف القارات.
ومنذ الساعات الأولى للحفل، بدا واضحاً أن الأمر يتجاوز مجرد نهاية بطولة رياضية. فداخل القاعة التي ازدانت بأعلام عشرات الدول، اختلطت اللغات واللهجات والوجوه القادمة من مدارس قانونية وثقافات مختلفة، في مشهد عكس كيف تحولت هذه التظاهرة، على امتداد عقود، إلى فضاء عالمي يلتقي فيه المحامون بعيداً عن قاعات المحاكم، لكن دون أن يغادروا القيم التي تجمعهم: الاحترام، الانضباط، وروح الترافع النبيل.
وتقدّم الحاضرين مؤسس هذا المونديال الدولي، الأستاذ Vincent Pinatel، الذي بدا متأثراً بحجم الحضور والزخم الذي حققته هذه الدورة، مؤكداً في كلمة حملت الكثير من الرمزية أن “كأس العالم للمحامين لم تعد مجرد منافسة كروية، بل أصبحت لغة عالمية للحوار بين رجال ونساء القانون”.
كما عرف الحفل حضور نقيب هيئة المحامين بأليكانتي، الأستاذ Ignacio Gally Muñoz، إلى جانب عدد من النقباء والمحامين والشخصيات المهنية القادمة من أوروبا وأمريكا اللاتينية وإفريقيا وآسيا، في صورة جسدت البعد الكوني لهذه التظاهرة التي باتت تمثل شكلاً من أشكال الدبلوماسية المهنية الموازية.
المغرب… حضور يتجاوز النتائج
وسط هذا المشهد الدولي، استطاع الوفد المغربي أن يفرض احترامه ليس فقط بنتائجه داخل المستطيل الأخضر، بل أيضاً بالحضور المهني والإنساني الذي طبع مشاركته منذ اليوم الأول للبطولة.
وقد برز حضور الأستاذ مصطفى العلمي عضو مجلس هيئة مكناس–الرشيدية، والأستاذ كريم الشرايبي عن هيئة الدار البيضاء، إلى جانب الأستاذ أحمد بلعادل وعدد من المحامين المغاربة الذين نجحوا في تحويل المشاركة المغربية إلى قصة صمود واحترام داخل واحدة من أصعب النسخ من حيث مستوى التنافس.
ورغم الإصابات والإكراهات البدنية التي لاحقت الفريق المغربي خلال عدة مباريات، أصر اللاعبون على مواصلة المنافسة حتى اللحظات الأخيرة، في مشهد اختزل صورة المحامي المغربي الذي يرفض الانسحاب مهما كانت الظروف. لم يكن الأمر مجرد مباريات كرة قدم، بل اختباراً حقيقياً للإرادة والانضباط وروح الجماعة.
وفي أكثر من مواجهة، لعب بعض أعضاء الفريق تحت ضغط الآلام والإجهاد البدني، بينما فضّل آخرون تأجيل العلاج والراحة إلى ما بعد نهاية البطولة حفاظاً على توازن المجموعة وصورة المشاركة المغربية. وهي تفاصيل صغيرة في ظاهرها، لكنها صنعت احتراماً واسعاً داخل أوساط المشاركين والمتابعين.
ورغم قوة الفرق المنافسة، التي ضمت في صفوفها محامين ذوي تجارب رياضية طويلة ولاعبين سابقين، تمكن الوفد المغربي من إنهاء البطولة في وسط الترتيب بنتائج اعتبرها متابعون “مشرفة ومقنعة”، خصوصاً بالنظر إلى حجم التحديات التي واجهها الفريق.
إشادة دولية بالمحاماة المغربية
وفي حديث خصّ به “الدائرة” على هامش الحفل، عبّر الأستاذ Vincent Pinatel عن احترامه الكبير للمشاركة المغربية، مؤكداً أن الوفود القادمة من المغرب ظلت دائماً تحظى بتقدير خاص داخل هذا المونديال، سواء بسبب روحها الرياضية أو انخراطها الجدي في إنجاح هذه التظاهرة الدولية.
وأشاد Pinatel بشكل خاص بمشاركة هيئة مكناس–الرشيدية، معتبراً أنها قدمت نموذجاً حقيقياً للإصرار والالتزام، رغم الظروف الصعبة التي مرت منها المجموعة خلال المنافسات. كما خصّ هيئة الدار البيضاء بإشادة لافتة، مذكّراً بأنها من بين الهيئات التي حافظت على حضورها المتواصل منذ انطلاق هذا المونديال سنة 1982، في وفاء يعكس عمق ارتباط المحامين المغاربة بهذه المبادرة الدولية.
ولم يُخفِ مؤسس البطولة تقديره للدور الذي يقوم به الأستاذ كريم الشرايبي ، مشيداً بانخراطه الفعال في دعم الأنشطة الموازية للمحاماة، ومؤكداً أن شخصيات من هذا النوع تساهم في منح المهنة بعداً إنسانياً وثقافياً يتجاوز حدود الملفات والقضايا نحو بناء جسور التواصل بين الشعوب.
وفي لحظة حملت الكثير من الدلالات، استعاد Pinatel ذكريات البدايات الأولى لهذا المشروع العالمي، مؤكداً أن أول دورة تم تنظيمها خارج أوروبا كانت بالمغرب، في محطة وصفها بـ”التاريخية” في مسار كأس العالم للمحامين.
وأوضح أن نجاح تلك النسخة لم يكن ليتحقق لولا دعم شخصيات مغربية بارزة آمنت بالفكرة منذ البداية، وساهمت في توفير الظروف المناسبة لإنجاحها، معتبراً أن المغرب لعب دوراً محورياً في إعطاء هذا المشروع بعده الدولي الحقيقي.
حين تتحول الرياضة إلى جسر بين الأمم
وعلى امتداد أيام البطولة، لم تكن المنافسة محصورة داخل الملاعب فقط، بل امتدت إلى فضاءات الحوار وتبادل الخبرات والعلاقات الإنسانية بين محامين يمثلون أنظمة قانونية وثقافات متعددة.
في الكواليس، كانت الصور الجماعية، وتبادل بطاقات التعارف المهنية وبيانات التواصل، والنقاشات العابرة للغات، تكشف أن هذه التظاهرة نجحت في تحقيق ما تعجز عنه أحياناً المؤتمرات الرسمية: خلق تقارب إنساني حقيقي بين أشخاص تجمعهم العدالة وتفرقهم الجغرافيا.
ومع إسدال الستار على هذه النسخة داخل أجواء احتفالية صاخبة بقاعة “Penelope”، خرج الوفد المغربي بصورة مشرّفة، ليس فقط باعتباره فريقاً رياضياً نافس بشرف، بل باعتباره أيضاً واجهة لمهنة محاماة استطاعت أن تفرض حضورها باحترام وكفاءة وروح إنسانية عالية.
لقد انتهت مباريات مونديال المحامين…
لكن الرسالة التي حملها المحامون المغاربة من المغرب إلى إسبانيا، ثم إلى العالم، بقيت واضحة:
القانون يمكن أن يوحد البشر كما تفعل الرياضة،
والمحامي حين يحمل قيم العدالة بصدق، يصبح سفيراً لوطنه أينما حلّ.
اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع الدائرة نيوز _ Dairanews لمعرفة جديد الاخبار