حزب الأصالة والمعاصرة بعد الفوز: كيف يراقب حكومة يقودها
تحليل إخباري · 28 أكتوبر 2026
في أول اجتماع مُعلَن لمكتبه السياسي بعد تشكيل الحكومة، رسم حزب الأصالة والمعاصرة أجندة من ثلاثة محاور: إسناد الأغلبية، وفتح ورش القوانين الانتخابية المحلية، والإشادة بمشروع قانون المالية لسنة 2027. لكن البلاغ يطرح أسئلة أكثر مما يقدم أجوبة، وأولها: كيف يمارس حزبٌ الرقابة على حكومة يقودها؟
الرباط — بعد خمسة أسابيع على اقتراع 23 شتنبر، وأسبوع واحد على عرض البرنامج الحكومي أمام البرلمان، اجتمع المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة يوم الاثنين 26 أكتوبر 2026 في الرباط، ليضع ما يشبه خارطة الطريق الأولى للولاية الجديدة.
على الورق، تبدو القرارات مألوفة في حياة الأحزاب المغربية: دعوة الفريقين البرلمانيين إلى دعم الأغلبية، مع ممارسة أدوار التشريع والمراقبة والدبلوماسية الموازية؛ تكليف سمير كودار بتنسيق لجنة تدرس إصلاح القوانين المنظمة للانتخابات المحلية والجهوية؛ الإعداد للقاءات تنظيمية في الجهات؛ والتعبير عن الارتياح لمشروع قانون المالية لسنة 2027.
غير أن السياق يمنح هذه القرارات وزناً مختلفاً. فالحزب لم يعد شريكاً ضمن ائتلاف يقوده غيره، بل صار في قلب السلطة التنفيذية. وكل جملة في بلاغه تُقرأ الآن بوصفها التزاماً من الطرف الذي سيُحاسَب، لا من الطرف الذي يحاسِب.
مفارقة الحزب القائد: الرقابة من الداخل
الدستور المغربي لا يحصر الوظيفة الرقابية في المعارضة. فالنائب، أياً كان موقعه، يملك السؤال الكتابي والشفهي، ويشارك في لجان تقصي الحقائق، ويناقش تنفيذ الميزانية. نظرياً إذن، لا تناقض بين أن يساند الحزب الحكومة وأن يراقبها.
عملياً، التاريخ البرلماني المغربي يقول شيئاً آخر. فالرقابة التي تمارسها فرق الأغلبية تميل غالباً إلى أسئلة «التنويه» أكثر من أسئلة «المساءلة»، وتتحول في أحسن الأحوال إلى قناة لنقل مطالب الدوائر الانتخابية إلى الوزراء. والخطر هنا مضاعف حين يكون الوزير المعني من الحزب نفسه، ويكون النائب مطالباً بتقييم سياسة يدافع عنها زملاؤه في المكتب السياسي.
البلاغ لا يقدم أي آلية تفصيلية لحل هذه المعادلة: لا حديث عن تقييم دوري لأداء الوزراء داخل الحزب، ولا عن معايير يعتمدها الفريقان لمتابعة تنفيذ البرنامج الحكومي، ولا عن صيغة لتدبير الخلاف إن وقع. ولذلك فإن الحكم على هذا الالتزام سيمر عبر سجل الأسئلة البرلمانية في الدورة الحالية: كم منها يتناول فجوات التنفيذ؟ وكم منها يكتفي بالإشادة؟
لجنة كودار: من يكتب قواعد اللعبة؟
القرار الأكثر دلالة في الاجتماع هو تشكيل لجنة لدراسة إصلاح القوانين المؤطرة للانتخابات الجماعية والجهوية، المرتقبة مبدئياً في 2027 مع انتهاء ولاية المجالس المنتخبة سنة 2021.
اختيار سمير كودار لتنسيقها ليس تفصيلاً. فالرجل يرأس مجلس جهة مراكش-آسفي، وقاد سابقاً اللجنة التحضيرية لمؤتمرين وطنيين للحزب، كما أشرف على عمل اللجنة الوطنية للانتخابات التي أعدت ترشيحات الحزب في الاستحقاقات التشريعية الأخيرة. إنه، بعبارة أخرى، من أكثر قيادات الحزب معرفة بالآلة الانتخابية وبواقع تدبير الجهات. وهذه الخبرة ميزة، لكنها تطرح سؤالاً مشروعاً: هل ستنظر اللجنة إلى القوانين من زاوية الفاعل المحلي الذي يعرف أعطاب التدبير، أم من زاوية الحزب الذي يريد تأمين موقعه في المجالس المقبلة؟
البلاغ، كما نقلته الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة، لا يحدد النصوص المعنية ولا الجدول الزمني ولا طبيعة المخرجات. وهنا يكمن تمييز جوهري يغيب عادة عن النقاش العام. فهناك من جهة القانون التنظيمي رقم 59.11 المتعلق بانتخاب أعضاء مجالس الجماعات الترابية، الذي ينظم شروط الترشح ونمط الاقتراع وتوزيع المقاعد. وهناك من جهة أخرى القوانين التنظيمية للجهات والعمالات والأقاليم والجماعات (111.14 و112.14 و113.14)، التي تحدد الاختصاصات والموارد وآليات المساءلة.
تعديل الأول يغير قواعد المنافسة؛ وتعديل الثانية يغير قدرة المنتخَبين على الإنجاز. والمواطن الذي يشكو من طريق غير معبدة أو من خدمة غائبة لا يعنيه كثيراً نمط الاقتراع، بقدر ما يعنيه أن يملك المجلس الذي انتخبه الموارد والصلاحيات اللازمة، وأن يُحاسَب حين يفشل. فإن اقتصرت اللجنة على قواعد الاقتراع، سيكون الإصلاح انتخابياً بالمعنى الضيق؛ وإن امتدت إلى العلاقة بين التمثيل والتدبير، فقد يحمل ما هو أبعد من حسابات 2027.
ثمة اعتبار مؤسساتي آخر. ففي التقليد المغربي، تُعَد القوانين الانتخابية عبر مشاورات تقودها وزارة الداخلية مع مجموع الأحزاب، أغلبية ومعارضة، بحثاً عن توافق يحمي مشروعية القواعد. ومن ثم فإن قيمة عمل لجنة «البام» ستتوقف على قدرتها على تقديم مقترحات قابلة للنقاش مع الآخرين، لا على صياغة موقف حزبي يُفرض بمنطق الأغلبية العددية.
اللقاءات الجهوية: تعبئة أم إنصات؟
أعلن الحزب أيضاً عن لقاءات جهوية مرتبطة بالاستحقاقات المقبلة. وقد تكون هذه اللقاءات فرصة حقيقية لاختبار المقترحات على ضوء تجربة المنتخبين المحليين، الذين يعرفون أكثر من غيرهم حدود القوانين الحالية.
لكن الدقة تقتضي الوقوف عند ما أُعلن فعلاً: لقاءات تنظيمية جهوية. لا شيء في المعطيات المنشورة يشير إلى مشاورات مفتوحة أمام الجمعيات أو الخبراء أو المواطنين. ووصفها بالحوار المجتمعي يبقى سابقاً لأوانه إلى أن يعلن الحزب ذلك صراحة.
والمعيار الذي سيحسم طبيعتها بسيط: هل ستُنشر خلاصاتها؟ وهل ستظهر في توصيات اللجنة ملاحظات قادمة من الجهات، بأسمائها وسياقاتها؟ أم ستبقى محطات لإعادة ترتيب الهياكل وتسمية المرشحين المحتملين؟
قانون المالية 2027: الإشادة قبل الأرقام
عبّر المكتب السياسي عن ارتياحه لمشروع قانون المالية لسنة 2027، معتبراً أنه يترجم الالتزامات الانتخابية المتعلقة بالقدرة الشرائية والدولة الاجتماعية وإشراك الشباب والسيادة الاستراتيجية.
هذا موقف سياسي منتظر من حزب يقود الحكومة التي أعدت المشروع. لكنه لا يغني عن السؤال الذي ستطرحه المعارضة، ويُفترض أن يطرحه نواب الأغلبية أنفسهم: أين تظهر هذه الالتزامات في الأرقام؟ ما الاعتمادات المرصودة لكل منها؟ كيف ستُوزع بين القطاعات وبين الجهات؟ وما المؤشرات التي ستسمح، بعد سنة، بقياس أثر الإنفاق على الأسر والشباب؟
فالفارق بين ميزانية تعلن أهدافاً وميزانية تلتزم بنتائج هو بالضبط الفارق بين الخطاب والسياسة العمومية. ومن موقعه، يستطيع الحزب أن يجعل من دعمه للمشروع أداة ضغط إيجابية، بأن يربطه بنشر جداول زمنية ومؤشرات متابعة لكل التزام. أما الاكتفاء بوصف المشروع بأنه «ترجمة للوعود»، فيترك التقييم معلقاً إلى حين صدور أرقام التنفيذ.
الصحراء: ثابت وطني وسؤال التنفيذ
جدد الحزب دعمه للمساهمة في تفعيل مبادرة الحكم الذاتي، بالتوازي مع مواصلة البرنامج التنموي للأقاليم الجنوبية. وهو موقف ينسجم مع الإجماع الوطني حول قضية الوحدة الترابية، ومع التوجهات الملكية التي تؤطر هذا الملف.
ما يضيفه موقع الحزب الجديد هو أن السؤال لم يعد سؤال موقف، بل سؤال تنفيذ. فبصفته في قلب العمل الحكومي، يصبح معنياً مباشرة بوتيرة إنجاز المشاريع المبرمجة في الأقاليم الجنوبية، وبالموارد المرصودة لها، وبأثرها على فرص الشغل والخدمات لدى الساكنة. وتلك معطيات قابلة للقياس، يمكن للبرلمان أن يتابعها، وللصحافة أن تتحقق منها.
ثلاثة مؤشرات للحكم
لا يكفي بلاغ واحد للحديث عن تحول في أداء الحزب. لكن ثلاثة مؤشرات ستسمح خلال الأشهر المقبلة بالتمييز بين الإعلان التنظيمي والتغيير الفعلي:
- مخرجات لجنة الإصلاح الانتخابي: تركيبتها، وجدول عملها، وهل ستُنشر توصياتها مدعومة بمبررات قانونية وتقديرات لأثرها على التمثيل وأداء المجالس.
- طبيعة اللقاءات الجهوية: من سيشارك فيها، وكيف ستُوظف ملاحظات المنتخبين المحليين في المقترحات النهائية.
- السلوك البرلماني للفريقين: نسبة الأسئلة التي تتناول تنفيذ البرامج وفجوات التمويل، مقارنة بأسئلة الإشادة والتثمين.
اختبار يتجاوز صناديق 2027
قد يمنح التحضير المبكر للانتخابات المحلية حزب الأصالة والمعاصرة فرصة نادرة: أن يقترح إصلاحاً ينطلق من أعطاب التدبير الترابي التي يعرفها منتخبوه جيداً، لا من حسابات المقاعد وحدها. وقد يبقى، في المقابل، مجرد استعداد تنظيمي لمعركة انتخابية جديدة.
الفارق بين الاحتمالين لن تصنعه البلاغات. ستصنعه الوثائق التي ستخرج عن اللجنة، وشفافية النقاش حولها، وطريقة تعامل نواب الحزب مع وزرائه تحت قبة البرلمان. فالحزب الذي يقود الحكومة يملك اليوم ما لم يملكه من قبل: القدرة على تحويل وعوده إلى قرارات. وهو يتحمل بالقدر نفسه ما لم يتحمله من قبل: أن يُسأل عنها كلها.
اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع الدائرة نيوز _ Dairanews لمعرفة جديد الاخبار