مجتمع

قراءة في أبرز مستجدات قانون مهنة المحاماة الجديد.. من تنافي المهنة إلى تشديد الضبط المالي

دخل القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة حيز التنفيذ رسمياً، بعد نشره في العدد 7536 من الجريدة الرسمية الصادر يوم الخميس 20 غشت 2026، وذلك عقب صدور الظهير الشريف رقم 1.26.75 بتاريخ 18 غشت الجاري. ويأتي دخول النص الجديد حيز التنفيذ ليضع حداً لمرحلة طويلة من النقاش المهني والقانوني التي رافقت إعداده والمصادقة عليه.

وبعيداً عن المواقف المؤيدة أو الرافضة للقانون، تبرز مجموعة من المقتضيات التي تمس بشكل مباشر طريقة ممارسة المهنة وعلاقة المحامي بموكله، خصوصاً في ما يتعلق بالتنافي، والأتعاب، وتدبير الأموال والحسابات، والرقابة، إلى جانب مستجدات أخرى تخص الولوج إلى المهنة والترافع أمام محكمة النقض.

1️⃣ حالة التنافي.. المحاماة لا تجتمع مع النشاط التجاري

تنص المادة 14 على تنافي مهنة المحاماة مع كل نشاط تجاري، سواء مورس بشكل مباشر أو غير مباشر، كما تمنع الجمع بينها وبين عدد من مهام التسيير في الشركات، وبعض المهن الحرة والوظائف، مع استثناءات محددة نص عليها القانون.

وبمعنى مبسط، فإن المحامي لا يمكنه أن يمارس المحاماة وفي الوقت نفسه يزاول نشاطاً تجارياً أو مهنة أخرى تتعارض مع استقلالية المهنة.

ومن الأمثلة التي يمكن أن توضح المقتضى: محام يتوفر على مكتب للمحاماة وفي الوقت نفسه يمارس نشاطاً تجارياً منظماً في مجال البناء والعقار، فهذه الوضعية قد تدخل في نطاق حالة التنافي التي حددها القانون، بحسب طبيعة النشاط وكيفية ممارسته. كما أن وجود المحامي في حالة تناف يمكن أن يعرضه للمساءلة التأديبية.

2️⃣ الأتعاب.. لا نسبة من العقار ولا اقتسام المال المتنازع عليه

من أبرز المقتضيات التي تستحق التوقف عندها المادة 69، التي تمنع المحامي من الاتفاق مسبقاً مع موكله على أن تكون الأتعاب مرتبطة بنتيجة الدعوى.

كما تمنع المحامي من استيفاء أتعابه في شكل حصص عينية في مال متنازع فيه، أو اقتناء حقوق متنازع عليها مرتبطة بالقضايا التي يتولى الدفاع فيها، سواء بنفسه أو بواسطة الغير، كما يمتد المنع إلى استفادة الزوج أو الأصول أو الفروع من هذه الحقوق.

وبلغة أبسط: لا يمكن أن يكون الاتفاق مثلاً على أن يحصل المحامي على جزء من العقار محل النزاع، أو أن يصبح شريكاً في المال المتنازع عليه مقابل أتعابه. وكل اتفاق مخالف لهذه المقتضيات يكون باطلاً بقوة القانون.

3️⃣ الأتعاب والمبالغ المالية.. الوصل يصبح جزءاً من العلاقة المهنية

القانون الجديد لم يكتف بتنظيم الأتعاب، بل وضع قواعد أكثر دقة بشأن الأموال التي يتسلمها المحامي في إطار نشاطه المهني.

فحسب المادة 68، يتعين على المحامي أن يسلم موكله فوراً وصلاً مقابل كل مبلغ مالي أو وثيقة أصلية يتسلمها، فيما تحدد المادة 72 البيانات التي يجب أن يتضمنها هذا الوصل، من بينها اسم المحامي ورقم تعريفه الضريبي، وتاريخ التكليف، واسم من قام بالدفع وسبب الدفع وتاريخه وكيفية الأداء.

والأهم أن أداء الأتعاب التي يتجاوز مبلغها 10 آلاف درهم يجب أن يتم بواسطة شيك أو إحدى وسائل الأداء الإلكترونية.

أي أن أداء مبلغ يتجاوز مليون سنتيم لا ينبغي أن يتم، وفق هذا المقتضى، بمجرد تسليم نقدي غير قابل للتتبع، بل عبر وسيلة أداء تترك أثراً يمكن إثباته.

4️⃣ الحسابات.. كم دخل؟ وكم خرج؟ ولأي ملف؟

أدخل القانون كذلك مقتضيات أكثر تفصيلاً بشأن حسابات المحامي.

فالمادة 73 تلزم المحامي بتقييد المبالغ المالية والسندات والقيم التي يتسلمها والعمليات المنجزة عليها في دفتر للحسابات اليومية، مع فتح حساب خاص بكل موكل يتضمن العمليات المرتبطة بملفه.

كما يجب أن يتضمن الدفتر اليومي مختلف العمليات الحسابية المتعلقة بمداخيل ومصاريف المكتب، مع بيان موضوع العملية ومبلغها وتاريخها وكيفية أدائها والطرف الذي تمت باسمه.

وبالتالي، فإن فلسفة هذه المقتضيات تقوم على جعل التدفقات المالية المرتبطة بالممارسة المهنية أكثر وضوحاً وقابلية للتتبع والإثبات.

5️⃣ حساب ودائع وأداءات المحامين.. النقطة الأكثر إثارة للجدل

من أكثر المقتضيات التي أثارت نقاشاً مهنياً وقانونياً المادة 76، التي تنص على إخضاع حساب ودائع وأداءات المحامين لرقابة المجلس الأعلى للحسابات.

ويأتي ذلك ضمن منظومة مالية جديدة ينظمها القانون، إذ تنص المادة 75 على إحداث حساب ودائع وأداءات على صعيد كل هيئة للمحامين، تودع فيه، على سبيل الوديعة، المبالغ المسلمة للمحامين، بما فيها الأموال العائدة للموكلين، كما تمر عبره الأداءات المهنية التي يقوم بها المحامي لفائدة موكليه أو الغير.

كما تنص المادة 74 على مراقبة مكتب المحامي ووضعية الودائع وانتظام الحسابات من طرف النقيب أو من ينتدبه من أعضاء مجلس الهيئة مرة واحدة في السنة على الأقل، تلقائياً أو بناء على طلب الوكيل العام للملك المختص.

أما إخضاع حساب ودائع وأداءات المحامين لرقابة المجلس الأعلى للحسابات، فقد كان من أكثر النقاط التي أثارت اعتراضات وقراءات قانونية متباينة، خصوصاً حول حدود الرقابة وطبيعة الأموال التي تمر عبر هذه الحسابات ومدى انسجام ذلك مع استقلالية هيئات المحامين.

6️⃣ العقود العقارية.. جدل الاختصاصات لا يرتبط بالمادة 66.23 وحدها

ومن بين الملفات التي أثارت نقاشاً مهنياً واسعاً كذلك مسألة تحرير العقود المتعلقة بالمعاملات العقارية.

غير أن التدقيق القانوني يقتضي الإشارة إلى أن هذا التحول يرتبط أساساً بمقتضيات تشريعية أخرى، من بينها القانون رقم 41.25 المتعلق بتنظيم بعض جوانب التعاقدات العقارية، وليس بمقتضى مباشر في المادة 33 من قانون المحاماة الجديد.

فالقانون 66.23 حافظ للمحامي، ضمن المادة 33، على اختصاصات في تحرير عقود إنشاء الشركات وتعديلها، إلى جانب مهام قانونية واستشارية أخرى، بينما عرف مجال التعاقد العقاري بدوره مستجدات تشريعية أعادت رسم حدود تدخل مختلف المهن القانونية.

7️⃣ الولوج إلى المهنة.. الماستر والتكوين والتمرين

ولا يتعلق القانون فقط بالرقابة والأتعاب، بل أعاد أيضاً تنظيم شروط الولوج إلى المهنة.

ومن أبرز المستجدات اشتراط الحصول على شهادة الماستر أو الماستر المتخصص أو دبلوم الدراسات العليا المعمقة أو المتخصصة في العلوم القانونية، أو شهادة معترف بمعادلتها، إلى جانب اجتياز مباراة ولوج معهد تكوين المحامين وقضاء فترة التكوين والحصول على شهادة الكفاءة، ثم قضاء فترة التمرين وفق الشروط المحددة قانوناً.

كما حدد القانون فترة التمرين في 24 شهراً، تتضمن 20 شهراً بمكتب محام يعينه النقيب، وأربعة أشهر من التدريب في مجال ذي صلة بممارسة المهنة داخل إدارة أو مؤسسة عمومية أو جهة أخرى ينص عليها القانون.

8️⃣ الترافع أمام محكمة النقض.. شروط أكثر تحديداً

ومن المستجدات كذلك إعادة تنظيم شروط الترافع أمام محكمة النقض، حيث يشترط القانون، كأصل عام، التسجيل بجدول إحدى هيئات المحامين لمدة 12 سنة على الأقل، مع استفادة بعض الفئات من شروط خاصة، من بينها قدماء القضاة وأساتذة التعليم العالي وفق الشروط المحددة في النص.

كما ينص القانون على إخضاع بعض الفئات لتكوين خاص تشرف عليه السلطة الحكومية المكلفة بالعدل.

بين استقلال المهنة وهاجس الشفافية؟

تكشف هذه المقتضيات أن القانون الجديد لا يقتصر على إعادة ترتيب شروط ممارسة المحاماة، بل يسعى أيضاً إلى وضع قواعد أكثر صرامة في ما يتعلق بالعلاقة المالية بين المحامي وموكله، وتوثيق الأداءات، وتدبير الأموال، وانتظام الحسابات.

وفي المقابل، فإن بعض هذه المقتضيات، وخاصة المرتبطة بالرقابة المالية، تظل محط نقاش قانوني ومهني حول كيفية تحقيق التوازن بين شفافية التدبير والمحاسبة من جهة، واستقلالية مهنة المحاماة وخصوصيتها من جهة أخرى.

وبذلك، فإن دخول القانون رقم 66.23 حيز التنفيذ يفتح مرحلة جديدة ستنتقل فيها العديد من هذه المقتضيات من مستوى النقاش النظري والمهني إلى مرحلة التطبيق العملي، بما قد يجعل القضاء والممارسة المهنية والنصوص التنظيمية المرتبطة بالقانون عوامل حاسمة في تحديد كيفية تنزيله على أرض الواقع.

ويبقى السؤال المطروح: هل سترضخ جمعية هيئات المحامين بالمغرب للواقع التشريعي الجديد، بعد دخول قانون مهنة المحاماة حيز التنفيذ ونشره رسمياً في الجريدة الرسمية؟ أم أن مرحلة التصعيد والاحتجاج ستتواصل، رغم صدور النص بشكل نهائي؟

والأهم من ذلك، ما هي الخيارات القانونية والقضائية المتاحة أمام الهيئات المهنية والمحامين لمواجهة بعض المقتضيات التي يعتبرونها مساساً باستقلالية المهنة أو بحقوقهم المهنية؟

وفي المقابل، يبقى مستقبل العلاقة بين جمعية هيئات المحامين بالمغرب والسلطات الحكومية رهيناً بمدى استعداد الطرفين لفتح قنوات جديدة للحوار حول كيفية تنزيل القانون، خصوصاً المقتضيات التي أثارت أكبر قدر من الجدل داخل الجسم المهني.

فهل تنتهي المواجهة بمجرد نشر القانون في الجريدة الرسمية، أم أن الفصل الجديد من المعركة المهنية والقانونية بدأ للتو؟

اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع الدائرة نيوز _ Dairanews لمعرفة جديد الاخبار