أوروبا تشدد سياسات الهجرة والترحيل..وسط انتقادات
لطالما شكلت قضية المهاجرين والوافدين إلى دول الاتحاد الأوروبي إحدى أكثر المسائل تعقيدا في النقاشات الانتخابية، سواء على مستوى الرأي العام أو داخل البرلمانات الأوروبية.
وقد ازداد الاهتمام بهذه القضية تدريجيا، لتتحول في السنوات الأخيرة إلى إحدى أبرز الملفات السياسية، بالتزامن مع صعود تيارات يمينية متشددة في عدد من دول القارة الأوروبية.
ويطرح هذا التيار، الذي وصل في بعض الدول إلى مواقع الحكم، خطابا يحذر من تأثير الهجرة على الهوية والثقافة الأوروبية، في سياق نقاش عام يتسم بتباين واسع في المواقف حول الاندماج، والتعدد الثقافي، وسياسات الهجرة.
وقد أفضى آخر اجتماع ضم المفوضية الأوروبية ومجلس الاتحاد الأوروبي والبرلمان الأوروبي، إلى اتفاق مبدئي واسع النطاق يتيح إنشاء مراكز ترحيل خارج نطاق القارة الأوروبية، وفقا لما أعلنته قبرص، التي تتولى حاليا الرئاسة الدورية لمجلس الاتحاد الأوروبي.
في المقابل، لا يزال يتعين الموافقة الرسمية على الاتفاق وإجراء تصويت نهائي عليه في الأيام المقبلة.
ومن المتوقع أن تدخل هذه الترتيبات حيز التنفيذ اعتبارا من 12 يونيو الجاري، وتشمل بشكل أساسي طالبي اللجوء الذين رُفضت طلباتهم، حيث سيتم نقلهم إلى ما يُعرف بـ”مراكز الإعادة” خارج الاتحاد الأوروبي، خصوصا في الحالات التي يتعذر فيها إعادتهم إلى بلدانهم الأصلية لأسباب تتعلق بالوضع الأمني أو السياسي.
كما ينطبق هذا الإجراء في الحالات التي ترفض فيها الدول الأصلية استقبال مواطنيها، أو في حال عدم وجود علاقات دبلوماسية قائمة. ومع ذلك، لا تزال وجهات هذه المراكز غير محسومة، في ظل استمرار المشاورات حول الدول الشريكة، حيث تهدف الخطة إلى زيادة نسب الترحيل وتقليل عدد المهاجرين في الاتحاد الأوروبي الملزمين بالمغادرة.
ووفقا لتقرير “النزوح العالمي” الصادر في شهر مايو الماضي في برلين، يوجد أكثر من 117 مليون نازح حول العالم، تضاعف عددهم خلال عقد واحد، ويتركز معظمهم داخل بلدانهم الأصلية هربا من النزاعات أو آثار التغير المناخي مثل الجفاف والفيضانات، أما الذين يصلون إلى أوروبا وأمريكا الشمالية، فيمثلون نسبة محدودة من إجمالي النازحين.
وتشير البيانات الأوروبية إلى أن نحو 29 بالمئة فقط من المهاجرين الذين لا يملكون حقا قانونيا للبقاء في أوروبا يغادرون الاتحاد الأوروبي.
ولا تزال قضية المهاجرين محل نقاش واسع داخل الاتحاد الأوروبي بشأن فعاليتها وتكلفتها ومدى توافقها مع الالتزامات القانونية وحقوق الإنسان.
وفي هذا السياق، بدأت بعض الدول، مثل الدنمارك والنمسا وألمانيا، دراسة إمكانية إنشاء مثل هذه المراكز خارج حدود الاتحاد، مع بحث التعاون مع دول مثل رواندا وأوغندا وأوزبكستان مقابل اتفاقيات ومساعدات مالية وتحمل التكاليف التي تتطلبها عمليات الترحيل.
وقد سبق وأن نفذت إيطاليا تجربة إنشاء مركز في ألبانيا لاستقبال طالبي اللجوء قبل دراسة طلباتهم، غير أن المركز واجه صعوبات قانونية أدت إلى تعطله لفترة طويلة.
كما أبدت فرنسا تحفظات على هذه السياسات، في حين عارضتها إسبانيا، معتبرة أنها قد تثير إشكالات تتعلق بحقوق الإنسان.
وتعرضت فكرة إنشاء مراكز لإعادة طالبي اللجوء خارج دول الاتحاد الأوروبي منذ طرحها لانتقادات متواصلة من منظمات غير حكومية، التي ترى فيها خطرا محتملا على حقوق اللاجئين، ولا سيما ما يتعلق بإمكانية تعرضهم لسوء المعاملة في دول ثالثة.
ويؤكد فرانك دوفيل، الباحث في شؤون الهجرة بجامعة أوسنابروك الألمانية وجود انخفاض ملحوظ في أعداد اللاجئين، ففي عام 2023 تقدم 330 ألف شخص بطلبات للحصول على اللجوء في ألمانيا للمرة الأولى، بينما لم يتجاوز العدد 113 ألفا بعد عامين.
ويستمر هذا الاتجاه في الربع الأول من عام 2026 حيث تم تسجيل حوالي 22,000 طلب لجوء وإذا تم تقدير هذا الرقم على أساس سنوي فسيكون العدد الإجمالي في نهاية العام أقل من 90,000.
وتُظهر بيانات الهجرة أيضا تراجع أعداد المهاجرين في عدد من الدول، من بينها تركيا وإيران والسودان، في حين، ورغم استمرار النزاع الروسي- الأوكراني عاد نحو أربعة ملايين شخص إلى مناطقهم.
ويرى دوفيل أن الإصلاحات الأوروبية المقترحة قد تكون “غير دقيقة من الناحية الفنية”، وقد تؤدي في أسوأ السيناريوهات إلى ازدواجية في الهياكل وتقليص بعض الحقوق المتعلقة بالأطفال والنساء والأسر واللاجئين.
وفي المقابل، تؤكد المفوضية الأوروبية أن الدول المستقبلة يجب أن تلتزم بالمعايير الأساسية لحقوق الإنسان، مشيرة إلى أن القاصرين غير المصحوبين بذويهم -بموجب القواعد الجديدة- لن يخضعوا للترحيل إلى مراكز العودة، أما العائلات التي لديها أطفال، فيمكن نقلها بموجب هذا النظام.
وفي هذا الإطار، أعربت النائبة الفرنسية ميليسا كامارا عن رفضها للاتفاق، واصفة إياه بأنه “تراجع تاريخي” في مجال حقوق الإنسان داخل الاتحاد الأوروبي، معتبرة أن التشريعات الجديدة تفتح الباب أمام احتجاز القاصرين وتوسيع إجراءات المراقبة والترحيل.
من جانبها، حذرت الباحثة بيترا بندل من جامعة إرلانغن نورنبرغ الألمانية من أن تقرير “النزوح العالمي 2026” يجب أن يُنظر إليه باعتباره “جرس إنذار”، مشيرة إلى مخاوف من أن يؤدي النظام الأوروبي الموحد الجديد للجوء إلى توسيع احتجاز طالبي الحماية في “ظروف قريبة من الاحتجاز على الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي”.
على الجهة أخرى، دافعت أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية عن الإجراءات الجديدة باعتبارها وسيلة لمنع تكرار أزمة اللجوء التي شهدتها أوروبا عام 2015، عندما وصل نحو مليون طالب لجوء ومهاجر إلى القارة، معظمهم فارون من الحروب والصراعات في الشرق الأوسط وإفريقيا.
ولا تُعد فكرة إنشاء مراكز خارج دول الاتحاد الأوروبي جديدة، إذ سبق أن طرحتها إيطاليا ضمن مبادرة لإقامة مراكز لمعالجة طلبات اللجوء في ألبانيا، غير أن المشروع واجه تحديات قانونية.
وفي السياق ذاته، اعتمدت عدة دول أوروبية قوائم لما يُعرف بـ”الدول الآمنة”، تشمل دولا مثل كوسوفو وبنغلاديش وكولومبيا ومصر والهند والمغرب وتونس، ما يتيح تسريع معالجة طلبات اللجوء وتقليص فرص القبول لبعض الحالات، في إطار سياسات تهدف إلى الحد من الضغط على أنظمة اللجوء، كما يراها المؤيدون للترحيل.
وتشير صحيفة إندبندنت البريطانية إلى أن الاتفاق يعكس اتجاها متواصلا نحو تشديد سياسات الهجرة داخل أوروبا، خاصة في ظل صعود أحزاب يمينية في عدد من الدول خلال انتخابات البرلمان الأوروبي عام 2024.
وتقول الصحيفة إن تدفقات الهجرة غير النظامية خلال السنوات الماضية أسهمت في تعزيز الخطابات السياسية المناهضة للهجرة داخل أوروبا.
وبموجب الاتفاقات الأوروبية، تبقى الدولة التي يصل إليها طالب اللجوء مسؤولة عن دراسة طلبه واتخاذ القرار بشأنه، مع التزام مبدأ التضامن بين دول الاتحاد، بحيث يمكن للدول الأخرى تقديم الدعم عبر استقبال طالبي لجوء أو تقديم دعم مالي أو توفير موارد بشرية لدعم إجراءات اللجوء والإيواء.
اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع الدائرة نيوز _ Dairanews لمعرفة جديد الاخبار