سياسة

الترحال السياسي قبيل الانتخابات.. عندما تصبح التزكية عنواناً للصراع على الكرسي

مع اقتراب موعد الاستحقاقات الانتخابية البرلمانية، يطفو إلى الواجهة من جديد واحد من أكثر الظواهر إثارة للجدل في المشهد السياسي المغربي، ويتعلق الأمر بظاهرة الترحال السياسي وتغيير الانتماءات الحزبية، خصوصاً في الحالات التي تأتي مباشرة بعد عدم حصول بعض الأسماء على التزكية لخوض الانتخابات المقبلة.

فخلال الأيام الأخيرة، برزت حالات لسياسيين غيّروا مواقعهم وانتماءاتهم، وانتقل بعضهم من تيار سياسي إلى آخر، فيما اختار آخرون تقديم استقالاتهم من أحزابهم والإعلان عن استعدادهم لخوض الاستحقاقات المقبلة تحت يافطات سياسية جديدة.

وبينما قد تكون لبعض هذه التحولات أسباب تنظيمية أو سياسية مشروعة، فإن توقيتها يطرح أكثر من علامة استفهام، خصوصاً عندما يأتي الانتقال مباشرة بعد رفض منح التزكية.

فهل يتعلق الأمر فعلاً باختلاف في الرؤى والمواقف؟ أم أن الأمر يرتبط أساساً بحسابات انتخابية وشخصية؟

السؤال الذي يجد الناخب نفسه أمامه اليوم لا يتعلق فقط بمن سيصوت له، وإنما أيضاً بمسألة أعمق: ما الذي بقي من المبادئ السياسية عندما تصبح التزكية مرفوضة؟

فإذا كان الانتماء إلى حزب سياسي مبنياً على قناعة وبرنامج ومبادئ مشتركة، فكيف يمكن تفسير الانتقال السريع من حزب إلى آخر بمجرد عدم الحصول على التزكية؟ وهل يمكن للناخب أن يطمئن إلى أن من يغيّر انتماءه السياسي بهذه السهولة سيظل وفياً لوعوده ومواقفه بعد الوصول إلى البرلمان؟

والأكثر إثارة للجدل ما يروج من أخبار وشائعات حول إمكانية تحول بعض التزكيات الانتخابية إلى ما يشبه المزاد، بحيث يصبح المال أو القدرة على الإنفاق معياراً للحسم في اختيار المرشحين. وهي ادعاءات، إن صحت، تستوجب تحقيقاً جدياً وتوضيحاً شفافاً من الجهات المعنية، لأن التزكية السياسية يفترض أن تكون مبنية على الكفاءة والنزاهة والقدرة على تمثيل المواطنين، لا على من يدفع أكثر.

إن الانتخابات ليست مجرد سباق نحو مقعد داخل البرلمان، وليست مناسبة لتغيير الألوان والشعارات بحثاً عن منفذ انتخابي. فالبرلمان مؤسسة دستورية يفترض أن تضم منتخبين يحملون هموم المواطنين ويدافعون عن مصالحهم ويساهمون في التشريع ومراقبة العمل الحكومي.

ومن هنا، فإن ظاهرة الترحال السياسي تضع الأحزاب نفسها أمام امتحان حقيقي: هل أصبحت بعض التنظيمات مجرد قنوات للوصول إلى المناصب، أم أنها ما تزال مؤسسات سياسية لها مبادئ وبرامج وقواعد واضحة؟

كما أنها تضع الناخب أمام مسؤولية أكبر في الاستحقاقات المقبلة، إذ لم يعد كافياً أن ينظر إلى صورة المرشح أو شعبيته أو قدرته على الإنفاق، بل أصبح من الضروري مساءلته عن مساره السياسي، ومواقفه، وبرامجه، ومدى ثباته على المبادئ التي أعلنها سابقاً.

وفي نهاية المطاف، يبقى السؤال الأكبر مطروحاً على الجميع:

هل الهدف هو خدمة المواطن والوطن، أم الوصول إلى الكرسي البرلماني بأي ثمن؟

فالمناصب السياسية زائلة، أما ثقة المواطن فتبقى هي الرأسمال الحقيقي لأي سياسي وحزب. وإذا تحول الانتماء الحزبي إلى مجرد وسيلة للترشح، وأصبحت التزكية غاية في حد ذاتها، فإن الخاسر في النهاية لن يكون حزباً بعينه، بل المواطن وثقته في العمل السياسي وفي المؤسسات المنتخبة.

وقبل أن يتوجه المغاربة إلى صناديق الاقتراع، تظل الحاجة قائمة إلى سياسة تعيد الاعتبار للمبدأ قبل المقعد، وللمشروع قبل الشخص، ولخدمة الوطن قبل الحسابات الانتخابية.

فالكرسي قد يُنتزع بالأصوات، لكن الشرعية السياسية والثقة لا تُشترى بالمال ولا بالتزكيات.

اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع الدائرة نيوز _ Dairanews لمعرفة جديد الاخبار