سياسة

من بصمة الإصلاح إلى رهان الاستكمال: لماذا أعيدت الثقة لقيوح؟

 

لا يحتفظ وزير بحقيبة حساسة مثل النقل واللوجستيك لمجرد الاستمرارية الروتينية في المشهد السياسي المغربي. قرار تعيين عبد الصمد قيوح مجددا على رأس هذه الوزارة في التشكيلة الحكومية الجديدة يحمل دلالة تتجاوز التكليف الإداري، إذ يشير إلى أن مسارا وزاريا بدأ قبل سنوات وينتظر منه أن يكتمل. الرسالة الأبرز التي يبعث بها هذا الاختيار هي أن قيوح تمكن خلال ولايته السابقة من وضع بصمة واضحة على قطاع معقد، وأن المرحلة المقبلة تتطلب من يحمل هذا الملف عن قرب لاستكمال الأوراش التي أطلقها بدل إعادة تدويرها من الصفر.

لا ينطلق قيوح من فراغ في تعامله مع وزارة النقل واللوجستيك، فمساره السياسي والإداري الممتد من البرلمان إلى رئاسة المجلس الإقليمي لتارودانت ثم وزارة الصناعة التقليدية أكسبه دراية بطبيعة التدبير العمومي. لكن الأهم هو احتكاكه المباشر بقطاع النقل خلال السنوات الأخيرة، حيث واجه ملفات ثقيلة تتعلق بأسطول النقل والمطارات والاستحقاقات الكبرى المقبلة. هذا التراكم يجعل الإبقاء عليه خيارا منطقيا لمن يريد ضمان استمرارية السياسات العمومية في هذا القطاع الحيوي بدل تعريضها لهزات التغيير غير الضرورية.

من الإنصاف القول إن ولاية قيوح السابقة لم تكن تمريرا هادئا، بل شهدت محاولات جدية لإعادة هيكلة الوزارة، من بينها ضخ دماء جديدة في المناصب القيادية ومحاولة كسر احتكار الأطر القديمة للقرار وتعزيز الشفافية في التعامل مع المهنيين والمواطنين. هذه الإجراءات أثارت حساسيات داخلية وخارجية، وهو ما يفسر الحملات الإعلامية التي تعرض لها الوزير من جهات رأت في تغييراته تهديدا لمصالحها. وفي المقابل لم تخل الفترة من انتقادات تتعلق بالتدبير الإداري الداخلي وبطريقة التعاطي مع ملفات الترقية والحوار الاجتماعي، لكن المعطى الذي لا يمكن تجاوزه هو أن الرجل أدار ملفا بالغ الحساسية في ظرفية استثنائية وترك آثارا على مستوى القرار.

تأتي إعادة تعيين قيوح في لحظة يفترض فيها أن تدخل الأوراش الكبرى مرحلة الحسم، فالمغرب مقبل على استحقاقات عالمية تفرض تسريع وتيرة الإنجاز في البنيات التحتية للنقل واللوجستيك. في مثل هذه الظروف تصبح الاستمرارية في القيادة ضرورة استراتيجية وليست ترفا، فالوزير الذي أمضى سنوات في دراسة الملفات والتعرف على نقاط القوة والضعف داخل الوزارة هو الأقدر على استكمال ما بدأه دون فترة سماح جديدة. وبعبارة أخرى فإن الثقة المتجددة في قيوح تحمل رسالة مزدوجة: تقدير لمسار ولايته السابقة وتكليف صريح باستكمال الأوراش التي أطلقها، لأن قطاع النقل لا يحتمل التوقف أو إعادة النظر في الأولويات من الصفر.

وهكذا يجد عبد الصمد قيوح نفسه أمام اختبار جديد، لكنه هذه المرة اختبار استكمال لا اختبار انطلاق. والرهان الحقيقي ليس فقط في الحفاظ على البصمة التي تركها، بل في تحويلها إلى إنجازات ملموسة يلمسها المواطن والمهني على حد سواء قبل أن تدق ساعة المواعيد الكبرى.

اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع الدائرة نيوز _ Dairanews لمعرفة جديد الاخبار