97 مقعدًا لا تصنع حكومة: ما الذي يكشفه «كتاب التغيّرات» عن السياسة المغربية بعد انتخابات 2026؟
دراسة جديدة · العلوم السياسية
أضع بين أيدي القراء دراسةً جديدة بعنوان «حين يصبح التوازن قدرةً على التصحيح: كتاب التغيّرات واختبار نموذج التحول الاستراتيجي المؤسسي في المغرب»، أقرأ فيها انتخابات المغرب 2026 بعدسة أحد أقدم نصوص الحكمة الصينية، لا بوصفه كتابَ عِرافة، بل أداةً ترى ما لا تقوله الأرقام: متى تتحول المقاعد والاختصاصات والميزانيات إلى قدرة فعلية؟ ويمتد الجواب من صناديق 23 سبتمبر إلى الجهات والتغطية الصحية.
«القوة لا تصبح سياسةً لأنها موجودة، بل لأنها تصل إلى القرار في الوقت المناسب، وتبقى قابلةً للمساءلة والتصحيح.»
هي الفكرة المركزية التي تنقلها الدراسة من بنية «كتاب التغيّرات» إلى المؤسسات المغربية.
في صباح اليوم التالي للاقتراع
أربعة أرقام كانت تكفي لاختصار النقاش العام كله: 97 مقعدًا للأصالة والمعاصرة، و66 للتجمع الوطني للأحرار، و65 للاستقلال، و54 للعدالة والتنمية. أرقامٌ مؤقتة أعادت ترتيب الصدارة في مجلس النواب، فيما توقفت نسبة المشاركة عند 38.08%. وسرعان ما انتقل السؤال من صناديق الاقتراع إلى دفاتر الحساب: من سيتحالف مع من؟ ومن يبلغ عتبة 198 مقعدًا؟
غير أنني أنطلق في هذه الدراسة من سؤال أصعب: هل يكفي عدد المقاعد لصناعة القوة؟ والجواب الذي أقترحه، عبر حوار غير مألوف بين نص صيني كلاسيكي ومؤسسات المغرب المعاصر، واضح: لا. فالمقعد، مثل الاختصاص القانوني أو الميزانية أو التقرير الرقابي، موردٌ أوّلي فحسب؛ أما القوة السياسية فلا تولد إلا حين يقترن المورد بالمعلومة والتوقيت والتنسيق والمسؤولية، وبنافذة حقيقية لتصحيح القرار.
كتاب قديم… لا وصفة غيبية
يحمل «كتاب التغيّرات» تاريخًا طويلًا من القراءات العِرافية والرمزية والفلسفية، ولذلك وضعتُ للدراسة قيدها المنهجي منذ السطر الأول: لا تستعمل الكتاب للتنبؤ بنتيجة انتخاب، ولا تمنحه سلطة فوق الدستور، ولا تزعم أن الفكر الصيني أثّر تاريخيًا في النظام المغربي. إنها تستعمله «نحوًا للتحول»، أي منظومة أسئلة تكشف ما تفوّته القراءة الجامدة للمؤسسات.
فبدل النظر إلى السلطة والمعارضة، أو المركز والجهة، أو الاستمرار والإصلاح، ككتل صلبة تتصارع حتى يغلب أحدها، يلفت الكتاب إلى العلاقة بينها، وإلى اللحظة التي تنتقل فيها من حال إلى حال. والحكمة في هذا المنظور ليست في تثبيت توازن دائم، بل في معرفة متى يصير الاستقرار انسدادًا، ومتى يغدو الاختلاف مصدرًا للمعلومة، ومتى يحتاج النجاح ذاته إلى مراجعة حتى لا يستحيل عطبًا جديدًا.
ولا تكتفي الدراسة بالمقاطع التي تخدم أطروحتها؛ فهي تضعها في مواجهة نقائضها: «السلام» في مقابل «الانسداد»، و«التضاد» في مقابل «النزاع»، ثم «بعد الاكتمال» و«قبل الاكتمال». والمغزى أن تقابُل قوتين ليس فضيلة في ذاته: فقد يتصل الضدان فيُنتجان تصحيحًا، وقد ينقطع ما بينهما فيُنتجان شللًا أو هيمنة.
ست عدسات بدل شعار «التوازن»
تستخرج الدراسة من النص ست عدسات استراتيجية: القوة علاقةً لا ملكية، والتوقيت، وموقع الفاعل داخل البنية، وعتبة الانتقال من الكمّ إلى الأثر، وضرورة التصحيح بعد النجاح، ثم الشرعية المقيدة بالحقوق. وتختزلها في اختبار عملي من خمسة أسئلة: من يملك المعلومة؟ ومن يملك الوسيلة؟ ومتى يستطيع التدخل؟ ومن يتحمل الكلفة؟ ومن يملك حق تصحيح القرار؟
بهذا يتغير معنى التوازن. فهو ليس مساواةً حسابية بين الحكومة والمعارضة، ولا حلًا وسطًا دائمًا، ولا ذريعة لإبطاء الإصلاح. التوازن المنتج هو قدرة النظام على التقاط الإشارة المخالفة قبل فوات الأوان، وتوزيع المسؤوليات مقرونةً بوسائلها، وتعليل القرار علنًا، وقياس أثره، ثم مراجعته. وحين يُرفع شعار «التدرج» بلا بداية ولا نهاية ولا مسؤول محدد، تسمّيه الدراسة باسمه: اختلالًا، لا حكمةً زمنية.
انتخابات 2026: أغلبية ممكنة، ومعارضة لا تُقاس بمقاعدها
بحساب المقاعد المؤقتة، تستطيع أكثر من صيغة بلوغ الأغلبية المطلقة: الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار والاستقلال (228 مقعدًا)؛ أو الأصالة والمعاصرة والاستقلال والحركة الشعبية والاتحاد الدستوري (208)؛ أو الأصالة والمعاصرة والأحرار والحركة الشعبية والحركة الديمقراطية الاجتماعية (200). لكن الدراسة تشدد على أنها احتمالات حسابية، لا تنبؤات سياسية.
فالائتلاف لا يصير قدرةً على الحكم بمجرد جمع المقاعد؛ عليه أن يحدد أولوياته، ويوزع المسؤوليات بوضوح، ويملك آلية لحل الخلاف ومواعيد للمراجعة. والأمر نفسه يصدق على المعارضة: فالمقاعد الأربعة والخمسون التي عاد بها حزب العدالة والتنمية، الذي أعلنت أمانته العامة اختيار المعارضة، لا تبلغ وحدها عتبة التوقيعات التسعة والسبعين اللازمة لإيداع ملتمس رقابة. ومع ذلك، قد يصبح مؤثرًا إذا بلغته المعلومة في وقتها، ونسّق داخل اللجان ومع قوى أخرى، وحوّل تقارير التقييم إلى تعديلات ومساءلة علنية.
ولذلك لا تقرأ الدراسة صعود حزب أو تراجع آخر «عقابًا» مؤكدًا من الناخبين؛ فالنتائج المؤقتة لا تكشف الدوافع وحدها، وتراجع المشاركة بنحو 12.78 نقطة عن 2021 يطرح سؤالًا موازيًا عن التمثيل والثقة. وهذه الدقة مقصودة: فالدراسة ترفض أن تستبدل بالتحليل قصةً مريحة، سواء كانت قصة انتصار نهائي أو انهيار شامل.
الصدارة ليست اكتمالًا: قد يتحول الفوز إلى وهم تفويض كامل، بينما تتحدد القدرة الفعلية في مفاوضات البرنامج وتوزيع المسؤولية.
الجهوية: حين يسبق الموقع الدستوري أدوات الفعل
في الجهوية المتقدمة تتجلى الفجوة بين الاعتراف والقدرة بوضوح. فتقرير المجلس الأعلى للحسابات يسجل استكمال 71 نصًا تطبيقيًا، لكنه يرصد، إلى حدود سبتمبر 2023، إنجاز 32% فقط من خارطة طريق اللاتمركز، مقابل 36% قيد الإنجاز و32% لم تُنجز. وتعتمد الجهات على تحويلات الدولة في 93% من مواردها، مقابل 7% من مواردها الذاتية، رغم ارتفاع هذه التحويلات من 771 مليون درهم سنة 2015 إلى 9.25 مليار درهم سنة 2022. بل إن التقرير يسجل أن أي اختصاص لم يُنقل بعدُ من الدولة إلى الجهات.
لا تعني هذه المعطيات أن الجهوية أخفقت، ولا أن التمويل المركزي عيب في ذاته. لكنها تكشف أن الموقع الدستوري قد يسبق نقل الاختصاص والموارد والبيانات؛ فإذا طُولبت الجهة بنتيجة لا تملك كامل أدواتها، تاهت المسؤولية بين مستويات القرار. ولهذا تقترح الدراسة لوحة علنية سنوية تربط كل اختصاص بموعد نقله وموارده ومؤشر أثره والمسؤول عنه.
من «راميد» إلى AMO–تضامن: النجاح بداية المخاطر
وتقدم الحماية الصحية درسًا من نوع آخر. فقد ارتفع عدد المسجلين في التأمين الإجباري الأساسي عن المرض من 26.84 مليونًا سنة 2022 إلى 31.94 مليونًا سنة 2024، وبلغ المسجلون في AMO–تضامن 14.47 مليونًا، بما يفوق التوقعات الأولية. غير أن الدراسة لا تتوقف عند التسجيل: فذوو الحقوق المفتوحة فعلًا ارتفعوا من 60% إلى 70%، وبقي أكثر من 11 مليون شخص خارج النظام، وتعذّر إدماج نحو 1.56 مليون بسبب عدم صدور النصوص التطبيقية للمادة 114، ولم يتجاوز تحصيل الاشتراكات لدى فئة غير الأجراء 37%، فيما نمت المصروفات بنسبة 83% مقابل 36% للموارد.
والدرس هنا حاسم: النجاح ليس نهاية التحول، بل بداية مخاطره الجديدة. فتوسيع التغطية يضغط على التمويل وعلى العرض الصحي وجودة الولوج؛ إذ يذهب 91% من المصروفات المفوترة إلى القطاع الخاص. لذلك تدعو الدراسة إلى ألا تُقاس السياسة بعدد المسجلين وحده، بل بالحقوق المفتوحة فعلًا، والاستفادة من العلاج، والجزء المتبقي على عاتق المؤمَّن، والفوارق الترابية والاجتماعية، واستدامة التمويل.
الحلقة التي تغيب عن معظم التحليلات
ولا تغفل الدراسة ما تتجاهله قراءات كثيرة للمشهد: فالتوازن في المغرب ليس ثنائيًا بين حكومة ومعارضة، بل ثلاثي الطبقات؛ مؤسسات منتخبة تتنافس، وإدارة تنفّذ، وتحكيم ملكي يجعل منه الفصل 42 من الدستور «الحكم الأسمى» بين مؤسسات الدولة، فيما يتداول المجلس الوزاري في التوجهات الاستراتيجية لسياستها (الفصل 49). ومن هذا الموقع انطلق ورش تعميم الحماية الاجتماعية سنة 2020. ومن ثمّ لا يسأل النموذج عن مشروعية التوجيه، بل عن قدرة المؤسسات المنتخبة والترابية على ترجمته إلى قرار معلَّل وأثر يُقاس ويُصحَّح.
كيف بُنيت الدراسة؟
لم أرد للدراسة أن تكون تشبيهًا أدبيًا بين الشرق القديم والمغرب المعاصر، بل نموذجًا قابلًا للاعتراض والاختبار؛ ولذلك وضعتُه في مواجهة أربع مدارس نظرية معاصرة، ثم امتحنتُه بثلاثة توقعات تمييزية، أوضحها أن النجاح نفسه يولّد اختلالًا من جنسه، وهو ما تؤكده بيانات التأمين الصحي. ورمّزتُ الحالات الثلاث على ستة مؤشرات: المعلومة، والتعليل، والاستقلال الوظيفي، والتصحيح، والمشاركة، والحقوق.
وحرصتُ على أن تكشف الدراسة أدواتها للقارئ: فهي تختبر متانة ترميزها أمام تقديرات مختلفة، وتعلن سلفًا مؤشرات الحكم على أداء المعارضة بعد ستة أشهر واثني عشر شهرًا من تنصيب الحكومة، حتى لا تُفصَّل المعايير على مقاس النتائج. وكل رقم فيها مقرون بمصدره وبالعبارة الأصلية التي ورد بها، ليتحقق منه أي قارئ بنفسه.
وللدراسة حدود أعلنتُها صراحة: فهي لا تدّعي مقابلات ميدانية، ولا تختزل المغرب في ثلاثة ملفات، ولا تجعل «كتاب التغيّرات» نظرية للديمقراطية أو مصدرًا للحقوق. بل تجعل الحقوق الدستورية قيدًا سابقًا على كل موازنة: فلا يجوز أن يُتذرّع بالاستقرار أو الانسجام لإضعاف المساواة أو المشاركة أو المحاسبة.
السؤال الذي يبقى بعد الصفحة الأخيرة
أنتهي في الدراسة إلى خلاصة تبدو بسيطة، لكنها تغيّر زاوية النظر إلى السياسة: ليس التوازن بين القوى المتضادة جوهر الحياة السياسية لأنه يضمن الهدوء، بل لأنه يجعل التصحيح ممكنًا من دون استحواذ ولا انهيار. فلا يكفي أن توجد حكومة ومعارضة، أو مركز وجهات، أو قانون وتمويل؛ المهم أن تكون القوة مرئية ومحدودة، وأن تصل المعلومة في وقتها، وأن يملك كل طرف الأدوات الموافقة لمسؤوليته، وأن يظل القرار مفتوحًا على المراجعة.
حفيظ بوتشكوشت، باحث مستقل في القانون العام والعلاقات الدولية، يشتغل على القانون الجنائي المقارن والعلوم السياسية والعلاقات الدولية. ORCID: 0009-0007-3785-5570
مصادر المقال
Maroc.ma, “2026 Legislative Elections: PAM Leads with 97 Seats According to Preliminary Results – Minister of Interior,” September 24, 2026.
https://maroc.ma/en/news/2026-legislative-elections-pam-leads-97-seats-according-preliminary-results-minister-interior
Khadija Tachfine, “Back at 54 Seats, PJD Chooses Opposition and a Fight over Morocco’s Electoral Rules,” Hespress English, September 25, 2026.
https://en.hespress.com/146124-back-at-54-seats-pjd-chooses-opposition-and-a-fight-over-moroccos-electoral-rules.html
Cour des comptes, La mise en œuvre de la régionalisation avancée, rapport thématique (synthèse), octobre 2023.
https://www.courdescomptes.ma/wp-content/uploads/2023/10/Synthese-Regionalisation-fr.pdf
المجلس الأعلى للحسابات، التقرير السنوي برسم 2024–2025 (2026).
https://www.courdescomptes.ma/publication/rapport-annuel-de-la-cour-des-comptes-au-titre-de-2024-2025/
المملكة المغربية، دستور 2011، الجريدة الرسمية عدد 5964 مكرر (30 يوليو 2011)، الفصول 42 و49 و105.
Chinese Text Project, “Zhou Yi.”
https://ctext.org/book-of-changes/zh
اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع الدائرة نيوز _ Dairanews لمعرفة جديد الاخبار