سياسة

نصف حكومة المنصوري في المغرب من وزراء الحكومة السابقة

حين كُشفت التشكيلة الحكومية الجديدة برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري، لم يكن عدد الوزراء ولا توزيع الحقائب ما أثار الانتباه أولاً، بل ذلك العدد الكبير من الوجوه التي كانت حاضرة في حكومة عزيز أخنوش المنتهية ولايتها، وهو ما جعل السؤال الأبرز يتعلق بطبيعة التغيير المنتظر، وهل نحن أمام حكومة جديدة فعلاً أم أمام إعادة ترتيب لمشهد تنفيذي قديم؟

الأرقام تقول الكثير، فمن أصل 32 عضواً في التشكيلة، بمن فيهم رئيسة الحكومة، هناك 14 وزيراً خدموا في الحكومة السابقة، أي ما يناهز 47%، وإذا أضفنا وزيرين عادا إلى العمل الحكومي بعد سنوات من الغياب، ترتفع النسبة إلى نحو النصف، ليصل مجموع من سبق لهم تولي مسؤوليات حكومية إلى 16 عضواً، وهي أرقام تجعل الاستمرارية سمة بارزة لهذه التركيبة، أكثر من أي شيء آخر.

وتضم قائمة المستمرين، إلى جانب المنصوري التي كانت تشغل منصب وزيرة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، أسماء ثقيلة حافظت على مواقعها، مثل عبد الوافي لفتيت، وناصر بوريطة، وعبد اللطيف وهبي، وأحمد التوفيق، وفوزي لقجع، ونزار بركة، ورياض مزور، ومحمد المهدي بنسعيد، وعز الدين المداوي، وعبد الصمد قيوح، وعبد اللطيف لوديي، وعمر حجيرة، وعبد الجبار الراشدي.

لكن الحكومة الجديدة ليست نسخة مكررة من سابقتها، فهناك وجوه عادت من بعيد، مثل نبيل بنعبد الله، الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، الذي سبق أن تولى حقيبتي الاتصال والسكنى في حكومات سابقة، وشرفات أفيلال، التي شغلت منصب كاتبة الدولة المكلفة بالماء في حكومة سعد الدين العثماني قبل أن تُعفى من مهامها عام 2018، وهي عودة تحمل دلالات سياسية تتجاوز مجرد إعادة توزيع المناصب.

وهكذا تبدو التشكيلة الجديدة وكأنها تسير على حبل مشدود بين الاستمرارية والتجديد، فنحو نصف أعضائها يحتفظون بمواقعهم في السلطة التنفيذية، بينما تدخل النسبة المتبقية الحكومة للمرة الأولى، إلى جانب الوزيرين العائدين، وهي تركيبة تحمل رسالتين متوازيتين: طمأنة من يخشى القطيعة، وانفتاح على من ينتظر ضخ دماء جديدة في الشريان الحكومي، فما مدى التغيير الذي ستحدثه هذه التشكيلة في السياسات العمومية، خصوصاً أن قطاعات أساسية مثل الداخلية والخارجية والعدل والمالية احتفظت بالمسؤولين أنفسهم؟ فالحفاظ على هذه المواقع قد يمنح الحكومة تراكماً مؤسساتياً مهماً، لكنه قد يتحول إلى عبء إذا لم تنجح في إحداث الفرق المنتظر.

ويأتي هذا كله في سياق انتقال رئاسة الحكومة من حزب التجمع الوطني للأحرار إلى حزب الأصالة والمعاصرة، الذي تقوده المنصوري، على رأس أغلبية برلمانية تضم أيضاً أحزاب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والاشتراكية، وهو انتقال يضع الحكومة أمام اختبار مزدوج: تماسك الأغلبية الجديدة من جهة، والقدرة على تقديم برنامج حكومي يقنع البرلمان وينال ثقته من جهة أخرى، في أول امتحان سياسي حقيقي لهذه الأغلبية.

وبعد نيل الثقة، سيكون على الحكومة الجديدة مواجهة الملفات الاقتصادية والاجتماعية المطروحة، من التشغيل إلى الأسعار إلى الحماية الاجتماعية إلى الاستثمار، وهي ملفات لا تحتمل التأجيل، ولا تكفي فيها الاستمرارية وحدها، بل تحتاج إلى إرادة تغيير حقيقية، وهو الرهان الذي سيكشفه الأداء الحكومي في الأشهر المقبلة، أكثر مما تكشفه أي لائحة وزارية.

اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع الدائرة نيوز _ Dairanews لمعرفة جديد الاخبار